الثورة الحسينية .. خصائص ومرتكزات

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

 


 

المقدمة
الدرس الأول : المدخل
الدرس الثاني : ركائز بنية النظام النبوي‏
الدرس الثالث : ملامح من المجتمع الجاهلي‏
الدرس الرابع : المجتمع الاسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم
الدرس الخامس : معالم الصراط المستقيم‏
الدرس السادس : أهمية التقوى‏
الدرس السابع : العاطفة الحسينية وتجسيد القيم‏
الدرس الثامن : المجتمع وعوامل الانحراف‏
الدرس التاسع : العوام والخواص في المجتمع‏
الدرس العاشر : أقسام الخواص‏
الدرس الحادي عشر : خواص الحق ومغريات الدنيا
الدرس الثاني عشر : خواص الحق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم
الدرس الثالث عشر : الخواص وخيار الثورة
الدرس الرابع عشر : الخواص والتخلي عان الحق‏
الدرس الخامس عشر : الامام الحسين عليه السلام منذ الطفولة وحتى الشهادة
الدرس السادس عشر : الأبعاد المعنوية في شخصية الامام الحسين عليه السلام
الدرس السابع عشر : الشهادة والعرفان‏
الدرس الثامن عشر : فلسفة الأهداف والنتائج الحسينية (أهداف الثورة الحسينية)
الدرس التاسع عشر : التكليف في ظل الانحراف‏
الدرس العشرون : الثورة من أجل الاصلاح‏
الدرس الحادي والعشرون : الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال‏
الدرس الثاني والعشرون : المسؤولية وتشخيص الواجب‏
الدرس الثالث و العشرون : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف الأمة
الدرس الرابع والعشرون : العدو يشن غارة ثقافية
الدرس الخامس والعشرون : كيف يتم الأمر بالمعروف‏
الدرس السادس والعشرون : اقتدار الاسلامي مستمد من اقتدار (حزب الله)
الدرس السابع والعشرون : خصائص الثورة الحسينية
الدرس الثامن والعشرون : الإعراض عن المغريات وخلوص النية
الدرس التاسع والعشرون : أساليب الاستكبار تحبطها يقظة الشعب‏
الدرس الثلاثون : تأثيرات وبركات عاشوراء
الدرس الحادي والثلاثون : العاطفة الانسانية وفاجعة كربلاء
الدرس الثاني والثلاثون : المجالس الحسينية والطريق الى شكر النعم‏
الدرس الثالث والثلاثون : شروط إقامة مجالس العزاء ومميزاتها
الدرس الرابع والثلاثون : التطبير وتوهين الدين‏






المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين‏

وبعد،

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المحاضرات والكلمات التي ألقاها سماحة ولي أمر المسلمين اية اللّه العظمى الإمام الخامنئي قدس سرهم في أوقات مختلفة وقد قامت جمعية المعارف الإسلامية الثقافية بتبويبها على أساس موضوعي.

  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
 






 

الدرس الأول : المدخل

 

المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم‏

إنّ‏َ عطر الجهاد والمعرفة والشهادة يفوح اليوم كالسابق وهو متزيّن بزينة الإسلام وعشّاق الحسين والمخلصين للإسلام والثورة.

إنّ إسم الحسين بن علي عليه السلام لإسمٌ عجيب، فلو ألقيتم نظرة عاطفية لوجدتم أنّ‏َ ميزة اسم ذلك الإمام بين المسلمين العارفين هي جذب القلوب إليه.

ومن لا يتمتّع بهذه الحالة، في الحقيقة هو محروم من معرفة الإمام الحسين عليه السلام، ومن جهة ثانية هناك الكثير من غير شيعة ال البيت‏عليهم السلام تذرف دموعهم وتتقلّب قلوبهم بذكر اسم الحسين عليه السلام، فقد جعل الباري تعالى في اسم الإمام الحسين عليه السلام تأثيراً بحيث لو ذُكر اسمه لسيطرت حالة من المعنوية على الأفئدة والأرواح وهذا هو المعنى العاطفي لذلك الوجود وتلك الذات المقدّسة، مثلما كانت هكذا عند أهل البصيرة منذ البداية، فقد كانت لهذا الوجود العزيز خصوصية منفردة وكان موضع حبّ وعشق في بيت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام كما يفهم من الروايات والسِّيرِ والأخبار والتاريخ، واليوم هو كذلك.

ومن ناحية المعارف أيضاً، فقد كانت تلك الشخصية وكان ذلك الاسم الشريف مشيراً إلى ذلك المسمّى العظيم الشأن هكذا، فإنّ أهمّ وأسمى المعارف كامنة في أقوال هذا الإمام.

ومن الناحية التاريخية أيضاً، فإنّ هذا الاسم وهذه الخصوصية والشخصية هو مقطع تاريخي وكتاب مستقلّ، طبعاً ليس تاريخاً مبسّطاً وسرداً للأحداث، بل تفسير وبيان للتاريخ ودروس في الحقائق التاريخية.

والعِبرة في قضية الإمام الحسين عليه السلام هي عندما يتأمّل الإنسان في تاريخ المجتمع الإسلامي، ذلك المجتمع الذي كان يرأسه شخص غير عادي كرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، هذا النبي الذي كان يتمتّع بقدرة تفوق إدراك البشر، والمرتبط بالوحي الأزلي والحكمة الفريدة اللامتناهية، والمجتمع الذي حَكَمَه بعد ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث أصبحت المدينة والكوفة مركَزَي هذه الحكومة العظيمة، فما الذي حدث بعد ذلك؟ وأيَّة جرثومة دخلت بدن هذا المجتمع حتى قُتِل الحسين بن علي عليه السلام في ذلك المجتمع وبين هؤلاء الناس وبتلك الصورة بعد مضي نصف قرن على وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم وعشرين سنة على شهادة أمير المؤمنين عليه السلام؟ فما الذي حدث، وكيف؟! وما حدث ليس بحقّ ابن مجهول، بل بحقّ من كان يحتضنه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في الصغر، ويُصعده معه على المنبر ويخطب في الناس، بحقّ من قال في حقّه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «حسينٌ منّي وأنا من حسين» هكذا كانت العلاقة وثيقة بين الأب والابن، ذلك الابن الذي كان ركناً من أركان حكومة أمير المؤمنين عليه السلام في الحرب والصلح والسياسة، وكان كالشمس الساطعة.

إنّ‏َ العامل الرئيس في وقوع هذه القضيّة هو استشراء حبّ الدنيا والفساد والفحشاء بحيث سُلبتْ الغيرة الدينية والشعور بالمسؤولية الإيمانية، فإنّنا عندما نؤكّد على قضيّة الفساد والفحشاء، والجهاد والنهي عن المنكر وأمثال هذه الأمور، فإنّ أحد أسبابها الرئيسية هو تسبّبها في تخدير المجتمع، فالمدينة المنوّرة التي كانت القاعدة الأولى لتأسيس الحكومة الإسلامية تحوّلت بعد فترة قصيرة إلى مركز لأفضل الموسيقيين والمغنّين وأشهر الراقصات، بحيث عندما كان يُراد دعوة أفضل المغنّين إلى بلاط الشام، كانوا يبعثون على أفضل المغنّين والعازفين في المدينة. وهذا التجاسر لم يحدث بعد مائة أو مائتي عام، إنما حدث في زمان استشهاد بضعة فاطمة الزهراءعليها السلام وقرّة عين الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، بل حتى قبل ذلك، أي في زمن معاوية، ولهذا أصبحت المدينة مركزاً للفساد والفحشاء، ووقع أبناء الشخصيات والأعيان حتّى بعض شباب بني هاشم في الفساد والفحشاء أيضاً، وقد أدرك رجال الحكومة الفاسدة ما يجب فعله ووضع البنان عليه والترويج له، وهذه البلية لم تنفرد بها المدينة فقط، بل وقعت فيها مناطق أخرى.

ومن هنا تظهر أهمية التمسّك بالدين والتقوى والمعنوية والورع والعفة.

العامل الاخر الذي أدى إلى وقوع هذا الأمر هو إعراض وعدم اهتمام اتباع الحقّ الذين كانوا يشكّلون الأركان الحقيقيّة للولاية والتشيّع بمصير العالم الإسلامي، فقد تظاهر البعض بالحماس والثورة فترة، فضايقهم الحكّام، كقضيّة الهجوم على المدينة في عهد يزيد، حيث ثار هؤلاء ضدّ يزيد، فبعث إليهم رجلاً ظالماً قام بمقتلة عظيمة، فتركت هذه الجماعة كل شي‏ء جانباً ونسيت القضية، وهذه الجماعة لم تشمل كلّ أهل المدينة، وكانت الخلافات قائمة بينها، فافتقدوا إلى الوحدة والتنظيم والارتباط الكامل بين الأفراد، أي عملوا خلافاً للتعاليم الإسلامية تماماً، وكانت النتيجة أن هاجمهم العدو بكل شراسة، فتراجع هؤلاء في أول خطوة. وهذه نقطة مهمة؛ لأن من البديهي أن تتقاتل جبهتا الحقّ والباطل وتوجهان الضربات إلى بعضهما البعض، فكما أنّ جبهة الحقّ توجّه الضربات إلى الباطل، كذلك الباطل يوجّه الضربات إلى جبهة الحقّ، وتظهر النتيجة عندما تتعب إحدى الجبهتين، فالجبهة التي تتعب أسرع تنهزم.

إنّ رمز استمرار تعاليم الأنبياء منذ البداية حتّى النهاية هو كلمة التوحيد والفضائل والقيم الدينية التي كرّروها، وقد مُلئت الدنيا بهذه التعاليم اليوم، وأينما تلقون أبصاركم تجدون تعاليم الأنبياء رغم القمع الذي واجهه الأنبياء فقد اذوا موسى كثيراً، وطاردوا عيسى بن مريم وضيّقوا عليه، لكن رغم كلّ ذلك بقيت تعاليمهم إلى يومنا هذا، والسرّ الرئيسي هو عدم تقهقر الأنبياء، وهزيمة أحدهم لم تسبّب تراجع الاخر عن محاربة الباطل، فقد تلقّى جميع الأنبياء في حياتهم الضربات من الأعداء، لكن كانت نتيجة عمل هذه المجموعة  الذين إمّا أن قُتِّلوا أو حُرِّقوا أو سُجنوا أو قُطِّعوا بالمناشير وهم أحياء، أو عُذِّبوا من قِبَل المتسلِّطين  أنّ العالم يعيش اليوم تحت ظلّ تعاليم الأنبياءعليهم السلام وتعاليمهم مطروحة أينما تذهبون، وكلّ الأخلاق الحسنة والمسمّيات الجميلة كالعدالة والصلح و... سببها تعاليم الأنبياء، والسرّ في ذلك هو عدم شعورهم بالتعب وعدم تقهقرهم.

لكن هذه القاعدة كانت مفقودة في عهد الإمام الحسين عليه السلام وفي ذلك المقطع من تاريخ الإسلام الذي وقعت فيه الكثير من الفجائع؛ وذلك لعدم وجود ارتباط وعلاقة بينهم، وشعورهم بالهزيمة والتعب سريعاً، وإخلائهم الساحة ليتقدم العدو.

لقد استُغِلَّت هذه التجربة مرة واحدة بشكل صحيح وتحقق فيها النصر المطلق، ألا وهي الثورة الإسلامية في عصرنا، لقد خلق الباري تعالى إمامنا العظيم بشكل لم تكن تلك الشخصية تشعر بالتعب والهزيمة، ولم يكن للفشل أثر على روحه أبداً، بل كان يحاول التقدم حتى في أصعب الظروف، فقد رأيتم عن قرب طوال الأعوام الثمانية من الحرب أن الذي لم يقرر الانسحاب في أصعب الظروف هو شخص الإمام قدس سره، فكان صامداً كالجبل الراسخ، والإنسان يجاهد بسهولة لو كان وراءه جبل راسخ كالإمام، وقد كان الإمام هكذا في مرحلة الكفاح أيضاً، فاستمر في الكفاح رغم الكثير من الهزائم والصِعاب والتعذيب والضغوط والنفي وكِبر السن، حيث لم يكن الإمام شاباً عندما دخل ساحة الكفاح، بل كان يبلغ ثلاثة وستين عاماً عندما بدأ، وأتذكر في خطاباته عام 1341ه.ش (1962م( حيث كان يقول: لماذا ومِمّ‏َ أخاف؟ فإن قتلوني فعمري 63 وسأموت وأنا في عمر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام، فأية سعادة أعظم من هذه؟ هكذا كان منطقه.






 

الدرس الثاني : ركائز بنية النظام النبوي‏

أُشير أولاً وكمقدّمة للموضوع إلى أن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أرسى أُسس نظام كانت بناه الأساسية تقوم على عدَّة ركائز.. تعتبر أربعة منها الثقل في ذلك البناء، وهي:

الأول: المعرفة المتّقنة الخالية من الغموض في شؤون الدين، ومعرفة الأحكام، والمجتمع، والتكليف، ومعرفة اللَّه والرسول، ومعرفة الطبيعة. وهذه هي المعرفة التي انتهت إلى تراكم العلوم وبلغت بالمجتمع الإسلامي في القرن الرابع للهجرة ذروة المدنية والحضارة العلمية. فالرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم لم يترك أي إبهام وغموض. ولدينا في هذا الصدد ايات مدهشة من القران الكريم. وحيثما كان هناك موضع غموض أو التباس، كانت تنزل اية تجليه.

الثاني: العدالة المطلقة التي لا محاباة فيها سواء في حقل القضاء، أم في حقل الاستحقاقات العامَّة  لا ما يتعلق بحقه الشخصي إذ كان‏صلى الله عليه و آله و سلم يعفو عن حقّه  أي العدل التام فيما يتعلق بعامة الناس ويجب تقسيمه بينهم بالعدل.

وكذا العدالة في تطبيق حدود اللَّه، وفي توزيع المناصب وتفويض المسؤوليات، وتحمّل المسؤولية.

ومن البديهي أن العدالة غير المساواة، فقد يكون في المساواة ظلم أحياناً. بينما العدالة تعني وضع كل شي‏ء في نصابه، وإعطاء كل شخص حقّه. فقد كان العدل حينذاك عدلاً مطلقاً لا تشوبه شائبة. ولم يكن في عهد الرسول استثناء لأي شخص يجعله خارج إطار العدالة.

الثالث: العبودية الخالصة للَّه والخالية من أي شرك؛ أي العبودية للَّه في العمل الفردي.. العبودية في الصلاة حيث يجب أن يكون فيها قصد التقرُّب إليه. وكذلك العبودية له في بناء المجتمع وفي النظام الحكومي وفي نظام الحياة، والعلاقات الاجتماعية بين الناس. وهذا موضوع يستلزم بحدّ ذاته شرحاً مستفيضاً.

الرابع: المحبّة الغامرة والعاطفة الفيَّاضة. وهذه من السمات الأساسية للمجتمع الإسلامي.. حبّ‏ُ اللَّه، وحبّه تعالى للناس «يحبّهم ويحبّونه»، «إنّ‏َ اللَّه يحبّ‏ُ التوَّابين ويحبّ‏ُ المتطهّرين»، «قل إن كنتم تحبُّون اللَّه فاتّبعوني يحببكم اللَّه».. حبّ الزوجة وحب الأولاد، من المستحب تقبيل الأولاد، وتستحب محبتهم، ويُستحب حب الزوجة، ويُستحب حبّ‏ُ: الأُخوة المسلمين والتحبب إليهم، والأعظم هو حب الرسول وأهل بيته.. قال تعالى: «إلاَّ المودَّة في القربى».

لقد رسم الرسول هذه الخطوط العريضة وأرسى ركائز المجتمع على أساسها، ووضع معالم الحكومة عشر سنوات على هذا المنوال. ومن الواضح طبعاً أن تربية الناس تأتي على نحو تدريجي ولا تتحقق جملة واحدة. وبذل الرسول قصارى جهده على امتداد هذه السنوات العشرة لترسيخ تلك الأُسس، والعمل على مد تلك الجذور في أعماق الأرض. إلاَّ أن فترة العشر سنوات تعتبر قصيرة جداً إذا ما أُريد بها تربية الناس على خلاف ما كانوا قد ترعرعوا عليه من سجايا وخصائص، فقد كان المجتمع الجاهلي في كل شؤونه على النقيض تماماً من مضامين هذه الركائز الأربعة؛ لأنه كان فارغاً من أية معرفة وغارقاً في حيرة الجهل والضلال، ولم تكن لديه أية عبادية للَّه، بل كان مجتمع تجبّر وطغيان، وكان مجتمعاً بعيداً عن العدالة ومليئاً بألوان الظلم والتمييز.






 

الدرس الثالث : ملامح من المجتمع الجاهلي‏

لقد رسم أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الثانية من نهج البلاغة صورة فنية رائعة عمَّا كان سائداً في العصر الجاهلي من ظلم وتمييز، جاء فيها: «في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها». كان المجتمع انذاك مجرداً من معاني المحبَّة، كانوا يئدون بناتهم، وكانت كل قبيلة تثأر لقبيلتها من أي رجل تجده من قبيلة القاتل، سواء كان مستحقاً للقتل أم غير مستحق، وسواء كان مجرماً أم بريئاً، وسواء كان عالماً بتلك القضية أم لا.. كان يسودهم الاضطهاد والقسوة والغلظة والفظاظة المطلقة.

مَن نشأ في تلك الحالة يمكن أن يصلُح ويُهذّب على مدى عشر سنوات  إن تحققت شروط ذلك  ويمكن إدخاله في الإسلام، ولكن لا يمكن غرس هذه القيم والمفاهيم في أعماق نفسه إلى الحد الذي يجعل لديه القدرة على إيجاد نفس هذا التأثير على الاخرين.

دخل الناس في الإسلام أفواجاً أفواجاً، ودخل في الإسلام أناسٌ لم يعايشوا الرسول ولم يدركوا تلك السنوات العشرة مع النبي. وهنا تتجلَّى أهمية مسألة الوصيَّة التي يعتقد بها الشيعة، ويكمن منشأ الوصية والنص الإلهي، من أجل ديمومة ذلك النهج التربوي؛ وإلاَّ فمن الواضح أنَّها ليست من سنخ أنواع الوصايا الأُخرى المتداولة في هذا العالم، فكل إنسان يوصي قبل وفاته لابنه، إلاَّ أن القضية هناك تعني لزوم استمرارية نهج الرسول من بعده.






 

الدرس الرابع : المجتمع الاسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

لا أُريد الدخول في المباحث الكلامية بل أُريد تناول التاريخ بشي‏ء من التحليل ولتتناولوه أنتم أيضاً بمزيد من التحليل. لهذا البحث  طبعاً  صلة بالجميع ولا يختص بالشيعة وحدهم، فهو للشيعة وللسنَّة ولجميع الفرق الإسلامية على حدٍ سواء. ونظراً لما يتصف به من الأهمية، يجب أن يحظى إذن باهتمام من قِبَل الجميع.

فالوقائع التي جرت من بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، يجب أن يُلاحظ متن التأريخ بشأنها.

فمن البديهي أن البناء الذي بناه الرسول ما كان لينهار بهذه السهولة. ولهذا نلاحظ أن من بعد رحيله، استمرت عامة الأمور  باستثناء قضية الوصية  على ما كانت عليه. فكانت العدالة في وضع حسن، والذكر في حالة حسنة، والعبادة على ما يرام.

وإذا نظر المرء إلى الهيكل العام للمجتمع الإسلامي في سنواته الأولى يجد الأمور كما كانت عليه.

نعم كانت تقع بعض الحوادث بين الفينة والأُخرى إلاَّ أن ظواهر الأمور كانت تعكس بقاء نفس الأُسس والركائز التي وضعها الرسول. بيد أن ذلك الوضع لم يدم طويلاً، فكلما كان الوقت يمضي كان المجتمع الإسلامي ينحدر تدريجياً نحو الضعف والخواء.






 

الدرس الخامس : معالم الصراط المستقيم‏

ثمة نقطة في سورة الحمد أشرت إليها عدَّة مرَّات. فحينما يدعو الإنسان ربه: «اهدنا الصراط المستقيم» يوضح بعدها معنى ذلك الصراط المستقيم في قوله: «صراط الذين أنعمت عليهم» فهو تعالى قد أنعم على كثير من الأقوام والأمم؛ فأنعم على بني إسرائيل: «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» والنعمة الإلهية لا تختص بالأنبياء والصالحين والشهداء: «أولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصدِّيقين» هؤلاء أيضاً نالوا النعمة، وكذلك بنو إسرائيل نالوا النعمة.

 

والذين ينم عليهم فريقان‏

فريق حينما ينال النعمة لا يتعرض لغضب اللَّه، ولا يحقق دواعي الغضب الإلهي ولا يضل سبيل الهداية، وهؤلاء هم الذين ندعو اللَّه أن يهدينا سبيلهم. وعبارة «غير المغضوب عليهم» تمثل في الحقيقة صفة «الذين أنعمت عليهم» أي أن صفة )الذين( هي «غير المغضوب عليهم».

أما الفريق الاخر فهم الذين حينما أنعم اللَّه عليهم، بدلوا النعمة وتمرَّدوا عليها، ولهذا حلّ‏َ عليهم غضبه. أو أنهم ائتموا بأولئك فضلّوا السبيل. وتشير رواياتنا إلى أن المراد من «المغضوب عليهم» هم اليهود، وهذا البيان مصداق لتلك الحقيقة. لأن اليهود وحتى زمن النبي عيسى، كانوا يحاربون النبي موسى وأوصياءه عن علم وقصد.

أمَّا المسلمون فأنزل اللَّه عليهم نعمته.. إلاَّ أنّ‏َ النعمة تبدَّلت  نتيجة لما اقترفوه  نحو المغضوب عليهم وباتجاه الضالين. ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «لما قُتِل الحسين اشتدَّ غضب اللَّه على أهل الأرض» وذلك لأنه إمام معصوم. ويُفهم من هذا أن المجتمع الذي ينال النعمة الإلهية قد يسير في اتجاه يجلب عليه غضب اللَّه. ولهذا يجب توقّي أقصى درجات الدقَّة والحذر في المسير، وهو أمر عسير طبعاً ويستلزم الانتباه واليقظة.






 

الدرس السادس : أهمية التقوى‏

إن المرء لا يقف على حقيقة مثل هذه التطورات الاجتماعية إلاَّ بعد مرور وقت طويل. وهذا ما يوجب علينا الانتباه والحذر والمراقبة؛ وهو معنى التقوى.. فالتقوى معناها أن يتحرّز على نفسه من ليس له سلطان إلاَّ على نفسه، وأن يتحرَّز على نفسه وعلى غيره من له سلطان على غيره أيضاً.

أما الذين يقفون على رأس السلطة فيجب عليهم التحرُّز على أنفسهم وعلى المجتمع كلّه لكي لا ينزلق نحو التهافت على الدنيا والتعلُّق بزخارفها، ولا يسقط في هاوية حب الذات.

وهذا لا يعني طبعاً الانصراف عن بناء المجتمع، بل يجب بناء المجتمع والاستكثار من الثروة، ولكن لا لأنفسهم، فهذا مستقبح.

يجب ولهذا الحذر من الوقوع في مثل هذه المنزلقات، وإذا انعدم الحذر ينحدر المجتمع تدريجياً نحو التخلي عن القِيم ويبلغ مرحلة لا تبقى له فيها سوى القشرة الخارجية، وقد يأتيه على حين غرّة ويفاجئهُ ابتلاء شديد  كالابتلاء الذي تعرَّض له ذلك المجتمع حين اندلاع ثورة أبي عبد اللَّه  فلا يخرج منه ظافراً وهذا ما حدث مع عمر بن سعد حين عُرضت عليه ولاية الري.

وكانت الري في ذلك الوقت ولاية شاسعة وغنية. ولم يكن منصب الإمارة )على عهد بني أمية( كمنصب المحافظ في الوقت الحاضر؛ فالمحافظون اليوم موظفون حكوميون يتقاضون مرتبات ويبذلون جهوداً شاقة. ولم يكن الأمر حينذاك على هذا النحو. الشخص الذي ينصب والياً كان مطلق اليد في التصرف بجميع الثروات الموجودة في تلك المدينة يتصرف فيها كيف يشاء بعد أن يرسل مقداراً منها إلى عاصمة الخلافة. ولهذا كان لمنصب الوالي أهمية عظمى. ثم شرطوا توليه الري بمحاربة الحسين عليه السلام.

ومن الطبيعي أن الإنسان النبيل وصاحب القِيم لا يتردد لحظة في رفض مثل هذا العرض، ما قيمة الري وغير الري؛ لو وضعت الدنيا بين يديه فلا يعبس بوجه الحسين.. لا يكفهر بوجه الحسين؛ فما بالك بالنهوض لمحاربة عزيز الزهراء وقتله هو وأطفاله. هكذا يقف الإنسان الذي يحمل قيماً. ولكن حينما يكون المجتمع خاوياً ومجرداً من القيم، وحينما تضعف هذه المبادى‏ء الأساسية بين أفراد المجتمع، ترتعد الفرائص عند ذاك، وأكثر ما يستطيع المرء عمله في مثل هذا الموقف هو أنه يستمهلهم ليلة واحدة للتفكير في الأمر. وحتى لو أنه فكَّر سنة كاملة لوصل إلى نفس النتيجة ولاتَّخذ نفس القرار؛ إذ لا قيمة لمثل هذا النمط من التفكير، إلاَّ أن الرجل فكَّر في الأمر ليلة وأعلن في اليوم التالي عن موافقته على ذلك العرض. إلاَّ أن اللَّه تعالى لم يمكِّنه من بلوغ تلك الغاية. وكانت نتيجة ذلك أن وقعت فاجعة كربلاء.






 

الدرس السابع : العاطفة الحسينية وتجسيد القيم‏

وشخص كالإمام الحسين عليه السلام  حيث شكَّل تجسيداً لكل القيم الإلهية والإنسانية  ينهض بالثورة حتى يقف بوجه استشراء الانحطاط الذي أخذ يتفشى في أوصال المجتمع وأوشك أن يأتي على كل شي‏ء فيه. بلغ الانحطاط أن لو شاء الناس العيش حياة إسلامية كريمة، فانهم يجدون أيديهم خالية من كل شي‏ء. وفي ظرف كهذا يثبت الإمام الحسين ويقف بكل وجوده أمام ذلك الخواء والفساد المتصاعد، ويضحّي من أجل القِيم الإلهية بنفسه وبأحبائه وبابنيه: علي الأصغر وعلي الأكبر، وبأخيه العباس.. ثم يصل إلى النتيجة المطلوبة.

أحيا الإمام الحسين عليه السلام بثورته خط ونهج جده رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «حسينٌ منِّي وأنا من حسين». هذا هو الوجه الاخر للقضية. فواقعة كربلاء الزاخرة بالحماسة، وهذه الملحمة الخالدة لا يمكن إدراك كنهها إلاَّ بمنطق العشق وبمنظار الحب. فهي واقعة لا يتيسر النظر إليها إلاَّ بعين العشق ليفهم ما الذي صنعه الحسين بن علي من بطولة ومجد خلال يوم وليلة، أي منذ عصر يوم التاسع من المحرَّم وحتى عصر العاشر منه.. بحيث خلَّده في هذه الدنيا وسيخلّده إلى الأبد، ولهذا أخفقت جميع الجهود التي بُذلت لمحو حادثة الطف من الأذهان وطيّها في أدراج النسيان، وهذا ما تقدّمه بعض الصور الحيَّة من واقعة الطف.

في كتاب المقتل  المعروف باللهوف  لابن طاووس.. بعض تلك المشاهد العظيمة لذكر مصيبة الحسين عليه السلام. وكتاب المقتل هذا، كتابٌ معتبر جداً، ومؤلّفه السيد علي بن طاووس عالم فقيه وعارف كبير، وصدوق موثّق، وموضع احترام لدى الجميع، وأستاذ فقهاء كبار، وكان أديباً وشاعراً وذا شخصية بارزة، كتب أول مقتل مُعتبر وموجز. وقبل كتاب اللهوف كتب الكثير في مقتل الحسين عليه السلام، وحتى أستاذه  ابن نما  له كتاب في المقتل، والشيخ الطوسي أيضاً له كتاب في المقتل، وغيرهما. إلاَّ أنه حينما كتب «اللهوف» غطَّى على جميع الكتب الأُخرى في المقتل، لأنه كتاب قيّم اختيرت عباراته بدقَّة وإيجاز.

من جملة المشاهد التي يصورها في كتابه هذا هو بروز القاسم بن الحسن إلى الميدان، وكان فتى لم يبلغ الحلم. ليلة عاشوراء حيث أعلم الحسين عليه السلام أصحابه بأن المعركة ستقع وأنهم سيُقتلون جميعاً، فأحلَّهم وأذن لهم بالانصراف، فأبوا إلاَّ أن يكونوا إلى جنبه. وفي تلك الليلة سأل هذا الفتى عمَّه الإمام الحسين عليه السلام، هل سيُقتل هو أيضاً في ساحة المعركة؟ فأراد الإمام الحسين اختباره  على حد تعبيرنا  فقال له: كيف ترى الموت؟ قال: أحلى من العسل.

لاحظوا، هذا مؤشر على طبيعة القِيم التي كان يحملها أهل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ومن تربَّى في حجور أهل البيت. فقد ترعرع هذا الفتى منذ نعومة أظفاره في حجر الإمام الحسين عليه السلام. فكان عمره حين شهادة أبيه ثلاث أو أربع سنوات. فتكفَّل الإمام الحسين تربيته. وفي يوم عاشوراء وقف هذا الفتى إلى جانب عمّه.

وجاء في هذا المقتل ذكر هذه الواقعة على النحو التالي: «قال الراوي: وخرج غلام كأن وجهه شقّة القمر وجعل يقاتل». لقد دوَّن الرواة كل أحداث ووقائع عاشوراء بتفاصيلها؛ فذكروا اسم الضارب والمضروب ومَن ضرب أولاً، واسم أول من رمى، ومن سلب، ومن سرق. فالشخص الذي سرق قطيفة أبي عبد اللَّه ذكروا اسمه، وكان يُطلق عليه في ما بعد لقب: «سارق القطيفة».

ومن الواضح أن أهل البيت‏عليهم السلام ومحبيهم لم يتركوا هذه الحادثة تضيع في مجاهل التاريخ.

«فضربه ابن فضيل الأزدي على رأسه ففلقه، فوقع الغلام لوجهه وصاح: يا عمَّاه. فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، وشدَّ شدَّة ليث أغضب، فضرب ابن فضيل بالسيف فاتقاها بساعده فأطنَّها من لدن المرفق، فصاح صيحة سمعه أهل المعسكر، فحمل أهل الكوفة لينقذوه، فوطأته الخيل حتى هلك».

دارت معركة عند مصرع القاسم.. هزمهم الحسين عليه السلام بعد أن قاتلهم.

قال الراوي: «وانجلت الغبرة، فرأيت الحسين عليه السلام قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين يقول: بُعداً لقوم قَتلوك». يا له من مشهد مؤثّر يعكس رقَّة الحسين وحبّه لهذا الفتى، من جهة، وصلابته إذ أن له في القتال والتضحية من جهة أُخرى. كما ويدلّ أيضاً على ما لهذا الفتى من عظمة روحية، وما يتَّصف به الأعداء من قسوة تجعلهم يتصرفون مع هذا الفتى بمثل هذا السلوك.

ويصوّر كتاب اللهوف مشهداً اخر من مشاهد تلك الواقعة وهو بروز علي الأكبر للقتال، وكان مشهداً مثيراً حقَّاً من جميع أبعاده وجوانبه. فهو مثير من جهة الإمام الحسين، ومثير من جهة هذا الشاب  علي الأكبر  ومثير من جهة النساء وخاصة عمّته زينب الكبرى. وذكروا أن عليَّاً الأكبر كان بين الثامنة عشر إلى الخامسة والعشرين سنة من عمره، أي أنه كان في الثامنة عشر من عمره على أقل التقدير أو ما بينها وبين الخامسة والعشرين أو في الخامسة والعشرين على أعلى التقدير.

قال الراوي: «خرج علي بن الحسين، وكان أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، فاستأذن أباه في القتال فأذن له».

لما جاءه القاسم بن الحسن واستأذنه، لم يأذن له في بداية الأمر، وبعد أن ألحّ‏َ الغلام أذن له. أما بالنسبة لعلي بن الحسين، فبما أنه ابنه، فما أن استأذن حتى أذن له. «ثم نظر إليه نظرة ايسٍ منه وأرخى‏عليه السلام عينيه وبكى».

هذه هي إحدى الخصائص العاطفية التي يتميز بها المسلمون، وهي البكاء عند المواقف والأحداث المثيرة للعواطف. فأنتم تلاحظون أنه‏عليه السلام بكى في مواقف متعددة، وليس بكاؤه عن جزع ولكنه لشدّة العاطفة. والإسلام ينمّي هذه العاطفة لدى الفرد المسلم.

ثم قال: «اللَّهم اشهد فقد برز إليهم غلامٌ أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك».

أريد أن أبيّن لكم هنا مسألة وهي أن فترة الطفولة التي عاشها الحسين إلى جنب جدّه، كان النبي يحبه كثيراً، وكان هو بدوره أيضاً شديد الحب لرسول اللَّه. وكان تقريباً في السادسة أو السابعة من عمره عند وفاة الرسول وبقيت صورته عالقة في ذهنه، وحب الرسول متجذّر في أعماق قلبه.. ثم رزقه اللَّه في ما بعد ولداً، هو علي الأكبر.. مضت الأيَّام وشبّ هذا الفتى وإذا به يشبه في خلقته رسول اللَّه تمام الشبه، فترسَّخ حبّه في قلب الحسين كحبّه للنبي، فكان هذا الفتى يشبه النبي في شكله وشمائله وفي صوته وكلامه وفي أخلاقه، ويحمل نفس ذلك الكرم والشرف المحتد.

ثم قال عليه السلام: «وكُنَّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه». ثم صاح الحسين عليه السلام: «يا ابن سعد قطع اللَّه رحمك كما قطعت رحمي».

فتقدم علي الأكبر نحو القوم فقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً، ثم رجع إلى أبيه وقال: «يا أبت العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماءٍ من سبيل»؟

فقال له الحسين: «قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمدا ًصلى الله عليه و آله و سلم فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها». فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم القتال، وبعد أن ضُرب نادى: «يا أبتاه عليك السلام، هذا جدي يُقرؤك السلام ويقول لك عجّل القدوم علينا».

هذه مشاهد مروّعة من تلك الواقعة الخالدة، ولم تكن واقعة الطفولة هذه استنقاذاً لحياة شعب أو حياة أمّة فحسب، وإنما كانت استنقاذاً لتأريخ بأكمله. فالإمام الحسين عليه السلام، وأخته زينب عليها السلام، وأصحابه وأهل بيته عليهم السلام أنقذوا التاريخ بموقفهم البطولي ذاك.






 

الدرس الثامن : المجتمع وعوامل الانحراف‏

إن أول ما يلفت انتباهنا في قضية عاشوراء هي أن نلاحظ ماذا حدث بعد خمسين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بحيث وصل الحد إلى أن يضطر مثل الإمام الحسين عليه السلام إلى أن يضحّي بنفسه لأجل إنقاذ المجتمع الإسلامي، تارة تكون هذه التضحية بعد ألف عام من صدر الإسلام أو تكون في مركز الدول والشعوب المعاندة للإسلام والمعارضة له وهذا كلام اخر، ولكن الذي يجدر بالبحث والتأمل هو أن تكون هذه الثورة في مركز الإسلام وفي المدينة ومكة )مركز الوحي( وبواسطة الإمام الحسين بن علي عليه السلام بحيث لا يجد وسيلة غير التضحية بنفسه تضحية دموية عظيمة.

إذن فأي وضع كان بحيث يشعر الحسين بن علي عليه السلام أن حياة الإسلام مرهونة بالتضحية بنفسه، وإلاَّ سيفرّط بالإسلام؟ فنحن يجب أن ننظر ونلاحظ الذي حدث حتى ال الأمر إلى أن يصبح شخص كيزيد حاكماً على المجتمع الإسلامي؟ المجتمع الإسلامي الذي كان النبي فيه حاكماً في مكة والمدينة ويعطي فيه الرايات للمسلمين فيذهبون إلى أقصى نقاط جزيرة العرب وحدود الشام ويهددون الإمبراطورية الرومانية ويفرّ جنود العدو أمامهم ويرجع المسلمون مؤزرين بالنصر )كما حدث في تبوك( كيف أصبح هذا المجتمع الإسلامي الذي كان يعلو في مسجده وشوارعه صوت تلاوة القران ويقرأ فيه شخصية كالنبي صلى الله عليه و آله و سلم الايات القرانية بلحنه وأنفاسه ويعظ فيه الناس ويقودهم إلى الصراط القويم، ماذا حلّ‏َ بهذا المجتمع وهذا البلد وهذه المدن بحيث ابتعدوا عن الإسلام لدرجة أن يتأمر عليهم شخص كيزيد؟ لماذا يحلّ ظرف بحيث يكون فيه مثل الحسين بن علي‏عليه السلام مضطراً إلى هذه التضحية العظيمة والتي لا نظير لها في التاريخ. ما الذي حصل حتى وصلوا إلى هذه الحالة؟ يجب أن نبحث هذا الأمر بدقة.

فنحن اليوم بمجتمع إسلامي. ويجب أن نرى ما هي الافة التي حلَّت بذلك المجتمع الإسلامي بحيث أوكل أمره إلى يزيد. وال الأمر إلى رفع رؤوس أولاد أمير المؤمنين‏عليه السلام على القنا وأن يُطاف بها في المدينة التي كان يحكم فيها قبل عشرين سنة!

فالكوفة هي نفس تلك المدينة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام يتجول في أسواقها، ويحمل سَوطه على عاتقه ليأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وهناك كانت تعلو أصوات تلاوة القران في أناء الليل وأطراف النهار من المسجد. هذه هي المدينة التي يُطاف فيها الان ببنات وحرم أمير المؤمنين عليه السلام أسرى في سوقها. ما الذي حدث حتى وصل الحال إلى هنا بعد عشرين عاماً؟ الجواب هو وجود مرض في المجتمع له القدرة على أن يوصل خلال بضع عقود مجتمعات كان يترأسها أمثال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الوضع المأساوي. فهذا مرض خطير ولذا يجب أن يحذر مجتمعنا من الابتلاء بهذا المرض ويجب أن نحدده ونعتبره خطراً جدياً ونتجنب عنه. وفي نظري فإن نداء عاشوراء هذا أشد فورية لنا اليوم من سائر دروس ونداءات عاشوراء. يجب أن ندرك أيّ بلاء حلّ‏َ على المجتمع بحيث يُطاف برأس الحسين بن علي‏عليه السلام السبط الأول في العالم الإسلامي وابن خليفة المسلمين علي بن أبي طالب‏عليه السلام في نفس المدينة التي كان يتربع والده على منبر الخلافة فيها ومن دون أن يتحرك ساكن يجب أن نفهم كيف جاء أشخاص من تلك المدينة إلى كربلاء ليقتلوه هو وأصحابه عطاشى ويسبوا حرم أمير المؤمنين عليه السلام ولكنني أعرض اية قرانية في مقام الجواب عن هذه التساؤلات. لقد أعطى القران الجواب وحدده للمسلمين في افتين ومرضين. وهذه هي الاية: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً».

إذن هناك عاملان هما أساس للضلالة والانحراف العام، أحدهما الابتعاد عن ذكر اللَّه والذي يتجلى في الصلاة والعبادة، والذي يعني الغفلة عن اللَّه والمعنويات وفصل الحياة عن المعايير المعنوية، وإهمال التوجه إلى اللَّه تعالى والذكر والدعاء والتوسل وطلب التوفيق منه، والتوكل عليه وفصل الحسابات الإلهية عن الحياة، والعامل الاخر هو إتباع الشهوات والملذات وبعبارة واحدة السعي وراء الدنيا والاشتغال بجمع الثروة والمال والوقوع فريسة للشهوات الدنيوية واعتبارها أساساً ومبدأً ونسيان الأهداف الحقيقية.

هذا مرض رئيسي وخطير ويمكن أن نبتلي نحن به أيضاً. فلو أن الحالة المبدئية تزول أو تضعف عندنا وكل منا يفكر بأن ينتزع حصته من الغنيمة حتى لا نتخلف في دنيانا عن الاخرين، ويقول في نفسه أن الاخرين قد جمعوا لأنفسهم ويجب أن نذهب نحن أيضاً لنجمع لأنفسنا ونضع مصالحنا فوق مصالح المجتمع. فمن المعلوم حينئذٍ أن يصل بنا الحال إلى ذلك الوضع. فسرُّ وجود النظام الإسلامي وبقاءه وتطوره هو الإيمان والهمم العالية والاهتمام بالمبادى‏ء وإحياءها. ومعلوم أن توهين الأهداف واللامبالاة في أصول الإسلام والثورة وفهم كل الأمور والتعامل معها بذهنية مادية سوف يصل بالمجتمع إلى تلك الوضعية.

ولهذا السبب ابتلي بها أولئك الناس ففي وقت، كان المسلمون يهتمون بتطوير الإسلام ورضا اللَّه وتعليم الدين والمعارف الإسلامية والإطلاع على القران والأنس بمعارفه، وكان الجهاز الحكومي والإداري للبلاد جهازاً زاهداً في الدنيا، نقياً، لا يعير أهمية لزخارف الدنيا والشهوات الشخصية، فكانت النتيجة حينذاك تلك الحركة العظيمة التي توجّه الناس فيها إلى ربهم. في تلك الوضعية يبرز مثل علي بن أبي طالب‏عليه السلام خليفة للمسلمين ومثل الحسين بن علي عليه السلام شخصية مرموقة. والسبب هو أن تلك المعايير تتجسد فيهم أكثر من غيرهم. عندما يكون المعيار هو اللَّه والتقوى والإعراض عن الدنيا والجهاد في سبيل اللَّه، فإن الذي يتواجد في الساحة حينئذٍ هم الأفراد الواجدون لهذه المعايير. هؤلاء هم الذين يأخذون مقاليد الأمور بأيديهم ويصبح المجتمع مجتمعاً إسلامياً. ولكن عندما تتبدل المعايير الإلهية فسوف يستلم الأمور كل من هو أحرص على الدنيا وأشدّ في إتباع الشهوة وتحصيل المنافع الشخصيَّة وأبعد عن الصدق والحقيقة، حينذاك تكون النتيجة صيرورة أمثال عمر بن سعد والشمر وعبيد اللَّه بن زياد أمراء، وذهاب أمثال الحسين بن علي عليه السلام إلى المذبح واستشهاده في كربلاء وهذه قضية منطقية.

لا ينبغي أن يسمح الأشخاص الحريصون بتبدل المعايير في المجتمع. فلو أبدل معيار التقوى في المجتمع فمما لا شكّ‏َ فيه أن يُراق دم إنسانٍ تقي كالإمام الحسين بن علي‏عليه السلام. ولو أن الدهاء والانغماس في الشؤون الدنيوية والإيقاع بالاخرين والدجل وعدم الاهتمام بالقيم الإسلامية، اعتبرت ملاكاً في الأفضلية، فإن شخصاً كيزيد يجب أن يكون على رأس السلطة ويجب أن يصبح شخص مثل عبيد اللَّه الرجل الأول في العراق. لقد كان همّ الإسلام هو تغيير هذه المقاييس وكل همّ ثورتنا كان الوقوف بوجه هذه المقاييس المادية العالمية الباطلة والخاطئة وتغييرها.

لقد أشاعوا أن سبط رسول اللَّه، ابن فاطمة وابن أمير المؤمنين، خارج على الإمام العادل  وذلك الإمام العادل هو يزيد بن معاوية  وصدَّقهم الناس!!

إن أفراد السلطة الحاكمة أناسٌ ظلمة يقولون ما يحلو لهم، ولكن لماذا يصدّقهم الناس؟ ولماذا يلتزمون الصمت إزاءهم؟ إن ما يثير هواجسي هو هذا الجانب من القضية، لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ولماذا أُصيبت الأمة الإسلامية وهي على تلك الدرجة من التدقيق في تفاصيل الأحكام الإسلامية والايات القرانية، لماذا أُصيبت بهذه الحالة من الغفلة والتهاون والتراخي الذي انتهى إلى بروز فاجعة كهذه؟ هذه المسألة تشغل فكر الإنسان. وهل نحن أقوى عزماً وأشدّ شكيمة من مجتمع عهد الرسول وعهد أمير المؤمنين؟ وماذا نفعل حتى لا يجري مثلما جرى؟






 

الدرس التاسع : العوام والخواص في المجتمع‏

هنا يأمر القران بالاعتبار ويقول: «قل سيروا في الأرض» انظروا ما الذي وقع، والتزموا جانب الحذر. ولأجل أن يسري هذا المعنى إن شاء اللَّه في الثقافة الحالية على يد المفكرين والباحثين وأصحاب الرأي، أتحدث إليكم اليوم باقتضاب عن هذا الموضوع.

إذا نظرتم إلى المجتمع البشري؛ أي مجتمع كان، وفي أية مدينة أو بلد، تجدون الناس فيه يقسمون  من وجهة نظر معيَّنة  إلى فئتين:

أ  فئة تسير على فكر وفهم ووعي وإرادة، وهي تعرف طريقها وتسلكه  ولا يهمنا في المقام أن هذه الفئة على صواب في مسلكها أو أنه مسلك خاطى‏ء  هذه الفئة يمكن تسميتها بالخواص.

ب  وفئة أخرى لا تنظر لترى ما هو الطريق الصحيح، وما هو الموقف الصائب، ولا يهمها أن تفهم وتحلل وتقيس وتدرك، بل تتبع الجو السائد والهوى العام، ولنسم هذه الفئة بالعوام، إذن فالمجتمع يمكن تصنيفه إلى خواص وعوام. دققوا النظر، أريد الإشارة إلى نقطة بشأن العوام والخواص ويجب أن لا يقع فيها أي التباس.

من هم الخواص؟ هل هم طبقة خاصة؟ كلا لأن هذه الفئة التي نسميها بالخواص تضم بين أفرادها أشخاصاً متعلمين واخرين غير متعلمين، فقد يكون أحياناً بين الخواص شخص غير متعلم لكنه يفهم ما ينبغي عليه فعله، وهو يعمل وفقاً لتخطيط وإرادة حتى وإن لم يكن قد دخل المدرسة أو لديه شهادة أو يرتدي زي العلماء، لكنه متفهم لحقيقة الأمور.

فحينما نقول الخواص، فلا يعني ذلك أنهم فئة ترتدي زياً بعينه؛ فقد يكون رجلاً وقد يكون امرأة، وقد يكون ثرياً وقد يكون فقيراً، وقد يكون من العاملين في الأجهزة الحكومية، وقد يكون من المعارضين لأجهزة الحكومة الطاغوتية. وكلمة الخواص نقصد بها طبعاً الصالح والطالح منهم، ثم أننا سنصنف الخواص إلى أقسام أخرى أيضاً.

الخواص هم الذين عندما يؤدون عملاً يتخذون موقفاً، والنهج الذي يختارونه، يختارونه عن فكر وتحليل، أي أنهم يفهمون ويقررون ويعملون. والذين يقفون في الجانب المقابل لهم هم العوام.

ج  العوام هم الذين يسيرون مع مسير الماء، ليس لديهم تحليل للمواقف، حينما يشاهدون الناس يهتفون «يعيش» يهتفون معهم، وحينما يهتف الناس «الموت ل...» يرددون نفس الهتاف. عندما تكون الأجواء في وضع معين يأتون هنا، وحينما تكون على منوال اخر يذهبون هناك!

فحينما دخل مسلم بن عقيل إلى الكوفة، تراهم يقولون: لقد وفد ابن عم الإمام الحسين، لقد جاء مبعوث بني هاشم، وهو عازم على الثورة والنهوض، فيستثارون ويلتفون حوله ويبايعونه؛ بايعه ثمانية عشر ألفاً. وبعد خمس أو ست ساعات دخل رؤساء القبائل إلى الكوفة وقالوا للناس: لماذا اتخذتم هذا الموقف؟ عمن تريدون الدفاع؟ وضد من؟ إنكم ستدفعون الثمن غالياً! انسحب أولاً زعماء القبائل كلٌ إلى داره. وبعدما حاصر جنود ابن زياد دار طوعة للقبض على مسلم، انبرى أولئك الناس أنفسهم لمحاربة مسلم! هؤلاء هم العوام. سلوكهم لا ينطلق عن تفكير، ولا ينبثق عن تشخيص، ولا هو قائم على تحليل صائب، بل يتحركون وفقاً لما يمليه الجو العام.

إذن في كل مجتمع هناك خواص وهناك عوام. لنترك قضية العوام جانباً، ونبحث في وضع الخواص.






 

الدرس العاشر : أقسام الخواص‏

ويقسم الخواص طبعاً إلى فريقين:

أ  خواص فريق الحق.

ب  وخواص فريق الباطل.

فأهل الثقافة والفكر والمعرفة منهم يعملون لصالح جبهة الحق. عرفوا الحق، وعلموا أن الحق مع هذاالجانب فهم يتحركون ويعملون لأجله، إذن فهم يعرفون الحق، وقادرون على تشخيصه، هؤلاء يمثلون فريقاً. أما الفريق الاخر فهم الذين يقفون على الطرف الضد لطرف الحق.

وإذا ما عدنا إلى صدر الإسلام ثانية؛ فهناك فريق أصحاب أمير المؤمنين والإمام الحسين وبني هاشم. وفريق اخر هم أصحاب معاوية، كان فيهم من الخواص، كان فيهم أشخاص أذكياء من ذوي الرأي والتدبير يناصرون بني أمية، وهؤلاء من الخواص أيضاً.

إذن خواص كل مجتمع على نمطين: الخواص من أنصار الحق، والخواص من أنصار الباطل. وماذا ترجون من الخواص المشايعين للباطل؟ لا تتوقعوا منهم سوى التامر ضد الحق وضدكم. وهذا ما يفرض عليكم محاربتهم؛ حاربوا الخواص من أنصار الباطل، هذا أمر لا نقاش فيه.

نأتي الان إلى الخواص من أنصار الحق، وأنا أتحدث إليكم الان، انظروا إلى أنفسكم لتروا في أي موضع أنتم. وحينما نقول أن الأصل هو الفكر والاتباع عن رؤية لا نخلط بين التاريخ والقصة، التاريخ وجه اخر لسيرتنا الذاتية.

التاريخ معناه أنا وأنتم، معناه نحن الموجودون اليوم هنا. وإذا كنا نحن الذين نقوم ونشرح التاريخ، فلا بد أن ينظر كل منَّا محله من هذه القصة، وفي أي موضع منها. ثم لنرى ما الذي فعله من كان يوم ذاك في مثل موضعنا حتى كان نصيبه الخسران، لخطئه؟ حتى لا نقع في الخطأ نفسه. مثل ما هو متعارف في دروس التعليم العسكري، يفرض جهة معادية، والأخرى جهتنا، ثم يلاحظ خطأ خطة جهتنا. وتجدون أن العقل الذي وضع الخطة قد أخطأ في هذا المكان، إذن حينما تريدون أنتم وضع الخطة يجب أن لا تقعوا في ذلك الخطأ نفسه. أو يفرض أن الخطة كانت صحيحة إلاَّ أن الامر أو المخابر أو المدفعي أو المراسل أو جندياً عادياً في جبهتنا ارتكب خطأ، تدركون أنتم وجوب عدم الوقوع في ذلك الخطأ. هكذا هي مسيرة التاريخ. والان عليكم العثور على ذاتكم في هذا المشهد الذي أتحدث عنه في صدر الإسلام.

بعض الناس من طبقة العوام، ولا قدرة لهم على اتخاذ القرار، وأمرهم منوط بالفرصة المتاحة أمام العوام، فإذا صادف أن كانوا في زمن يتصدى لزمام الأمور إمام  كالإمام أمير المؤمنين عليه السلام، أو كالإمام الراحل قدس سره  ويسير بهم نحو الجنة، فخير على خير. وأمثال هؤلاء يسوقهم الصالحون، وينتهي بهم الأمر إن شاء الله إلى الجنة. أما إذا صادف وعاشوا في زمن من يصفهم القران بقوله: «وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار» أو «ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلُّوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار»، يكون مصيرهم إلى النار.

إذن احذروا أن تكونوا من العوام، ولا نقصد بكلامنا هذا وجوب إكمال مراحل دراسية متقدمة، أبداً، وقدقلت أن معنى العوام ليس هذا؛ فما أكثر الذين أنهوا مراحل دراسية عليا، لكنهم يحسبون في عداد العوام، وما أكثر من درسوا العلوم الدينية وهم من العوام، وما أكثر الفقراءأو الأغنياء الذين يدخلون في عداد العوام. إن صفة العوام رهن إرادتي وإرادتكم، ولهذا علينا أن ننتبه ولا نكون من العوام، أي يجب أن يكون كل فعل نفعله، عن بصيرة، ومن لا يعمل عن بصيرة فهو من العوام، ولهذا ورد في القران الكريم عن لسان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أدعوا اللَّه على بصيرة من ديني أنا ومن اتبعني».

إذن انظروا أولاً هل أنتم من فئة العوام أم لا؟ فإذا كنتم من تلك الفئة فسارعوا إلى الخروج منها، حاولوا أن تكون لكم قدرة على التحليل والدراية والمعرفة.

أما إذا كنا في عداد الخواص، فلنرى هل نحن من خواص أنصار الحق أم من خواص أنصار الباطل؟ والمسألة هنا واضحة؛ فالخواص في مجتمعنا من أنصار الحق بلا ريب، لأنهم يدعون الناس إلى القران وإلى السنة وإلى العترة وإلى سبيل اللَّه، وإلى القيم الإسلامية، هذه هي طبيعة الجمهورية الإسلامية. إذن فلا نتحدث الان عن الخواص من أنصار الباطل ولا شأن لنا بهم حالياً، بل تمام الكلام في الخواص من أنصار الحق، والمشكلة كلها تبدأ من هنا.






 

الدرس الحادي عشر : خواص الحق ومغريات الدنيا

إن خواص أنصار الحق يُقسمون إلى فريقين:

أ  الفريق الأول هم الذين يتغلبون في الصراع مع مغريات الدنيا والحياة من الجاه والشهوة والمال واللذة والرفاه والسمعة.

ب  والفريق الاخر هم الذين يخفقون في هذا الصراع. هذه  أي اللذة والسعة والجاه وما شابه  كلها أمور حسنة، وكلها من مباهج الدنيا «متاع الحياة الدنيا». والقران حينما يصفها بأنها متاع الحياة الدنيا فلا يعني ذلك أنها قبيحة، فالمتاع جعله اللَّه ليتمتع به الإنسان؛ ولكن إذا انغمس فيها إلى الحد الذي يعجز معه عن اجتنابها فيما إذا استدعت التكاليف الصعبة منه ذلك، فهذا شي‏ء، وإذا استمتع فيها إلى الحد الذي يستطيع معه الكف عنها بكل سهولة عند حصول أي امتحان عسير، فهذا شي‏ء اخر.

هذه الأمور تستدعي إعمال النظر فيها، وتستلزم الدراسة والدقة؛ لأن أفراد المجتمع، والنظام، والثورة لا يمكن ضمان مستقبلهم اعتباطاً، فكل مجتمع يوجد فيه هذان النمطان من أنصار الحق. إذا كان الفريق الصالح منهما، أي الذين يستطيعون عند الحاجة الانتهاء من متاع الدنيا، هم الأكثر، فلن يقع المجتمع بما وقع فيه على عهد الإمام الحسين عليه السلام، وكونوا على ثقة أن المستقبل سيكون مضموناً إلى الأبد.

أما إذا كانوا قلَّة، وكان ذلك الفريق من الخواص، أي المناصرين للحق ولكن في الوقت نفسه تنهار معنوياتهم أمام المغريات الدنيوية، بما فيها من ثروة، ودار وشهرة ومنصب وجاه، والذين يعرضون عن سبيل اللَّه لأجل أنفسهم، فيلتزمون الصمت حيثما يجب قول الحق، حفاظاً على أرواحهم أو مناصبهم أو أعمالهم أو ثرواتهم أو لحب الأولاد والأسرة والأقارب والأصدقاء، هؤلاء إذا كانوا هم الكثرة، فالويل الويل حينئذٍ عندها ينزل السائرون على خطى الحسين إلى أرض الشهادة ويُقادون إلى مسالخ الذبح، ويتسلَّط اتباع يزيد على مقاليد الأمور، وسيحكم بنو أمية الدولة التي أسسها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ويطول حكمهم ألف شهر، وتتحول الإمامة إلى ملك وسلطان!

فالمجتمع الإسلامي مجتمع الإمامة، أي يكون الإمام فيه على رأس السلطة وهو الشخص الذي يكون بيده زمام الأمور، والناس ينقادون له انقياداً قلبياً نابعاً من الإيمان. أما السلطان فهو على خلاف ذلك؛ يحكم الناس بالقهر والغلبة، والناس لا يعتقدون به ولا يقبلون حكمه ولا يميلون إليه، والمقصود من الناس هنا ذوو الفهم والوعي.

لقد بدَّل بنو أمية الإمامة في الإسلام إلى سلطنة وملكية، وحكموا هذه الدولة الإسلامية الكبرى ألف شهر أي تسعين سنة. حينذاك وضعت أسس بناء هش انتهى إلى الثورة ضد بني أمية الذين انقرضوا وجاء من بعدهم بنو العباس، وحكموا العالم الإسلامي ستة قرون أي ستمائة سنة على أساس أنهم خلفاء الرسول!

وبنو العباس الذين كان خلفاؤهم أو بتعبير أدق ملوكهم يمارسون الفساد والفسق وشرب الخمور والفجور والفحشاء والخبائث وجمع الثروات واللهو والملذات والاف أنواع المفاسد الأخرى، كانوا يحضرون المساجد أيضاً  كما هو حال سائر الملوك في العالم  ويؤمُّون الناس في الصلاة. وكان الناس يصلُّون خلفهم اضطراراً  وإن لم يبلغ اضطرارهم ذلك الحد  أو من باب الاعتقاد المغلوط، وهو ما أدى بالنتيجة إلى تخريب معتقدات الناس!

إذا أصبح الخواص المناصرون للحق في مجتمع ما  كلهم أو أكثرهم  يخافون على حياتهم وعلى فقدان الأموال والمناصب والجاه والمكانة الاجتماعية ويخشون العزلة، بسبب تعلقهم بالدنيا، حينذاك لا يناصرون الحق ولا يضحُّون بأنفسهم. وحينما تصير الأمور إلى هذا الحال، حينئذٍ يقع في طليعة الأمور استشهاد الإمام الحسين بتلك الصورة المأساوية، ويكون اخرها تسلط بني أمية والعصابة المروانية ومن بعدهم بنو العباس، ثم سلسلة السلاطين الذين حكموا العالم الإسلامي إلى يومنا هذا.






 

الدرس الثاني عشر : خواص الحق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

بدأ انزلاق الخواص المؤيدين للحق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بست أو سبع أو ثمان سنوات، وحديثي هنا مع غض النظر عن مسألة الخلافة تماماً، فقضية الخلافة على حدة، بل أتحدث الان حول هذا النهج بسبب ما يتَّصف به من خطورة والقضايا بأجمعها وقعت بعد وفاة الرسول بسبع سنوات، وبرزت أولى مؤشراتها في قولهم: لا يجوز أن يستوي ذوو السابقة في الإسلام  وهم أصحاب الرسول ومن شهد منهم حروبه  مع سائر الناس؛ هؤلاء يجب أن تكون لهم امتيازات! فمُنحت لهم امتيازات مالية من بيت المال!

كانت هذه هي اللبنة الأولى، وهذا هو حال سائر التيارات المنحرفة؛ تبدأ من نقطة صغيرة ثم يستفحل شأنها ويتفاقم مع كل خطوة. الانحرافات بدأت من هنا إلى أن بلغت عهد عثمان، حيث الت الأوضاع في أواسط عهد الخليفة الثالث إلى حالة صار فيها كبار صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم أثرى الأثرياء في زمانهم. أي أن كبار الصحابة من ذوي الأسماء المعروفة  كطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأمثالهم  الذين كان لهم مفاخر، باتوا في رأسماليي الطراز الأول! بحيث أن أحدهم لما مات وأرادوا تقسيم أمواله بين وارثيه اضطروا إلى كسر الذهب  الذي أذابه وحوَّله إلى سبائك  بالفؤوس، كالحطب الذي يكسر بالفؤوس، فكم كان مقدار الذهب إذن حتى يكسر بالفؤوس؟ والحال أن الذهب يوزن بالمثاقيل، هذا ما سجله التاريخ!

هذا ليس مما يقال أن الشيعة سطَّروه في كتبهم، أبداً، هذا ما كتبه الجميع، فالمبالغ التي خلفوها من الدنانير والدراهم كانت مبالغ خيالية! وهذه الحالة هي التي أدت إلى وقوع تلك الأحداث على عهد أمير المؤمنين عليه السلام، أي بما أن البعض صار يولي أهمية فائقة للمنصب، لذلك فقد دخلوا في صراع معه.

هذا وقد مرَّت خمس وعشرون سنة على وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، وقد بدأت الكثير من الأخطاء والاشتباهات. أن نفس أمير المؤمنين عليه السلام هي نفس الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، ولولا هذه الفترة  الخمس وعشرون سنة  لما كانت تواجه علياً عليه السلام أية مشكلة في بناء ذلك المجتمع، إلاَّ أنه عليه السلام جوبه بمثل هذا المجتمع الذي يوصف بعض أفراده بأنهم «يتخذون مال اللَّه دولاً وعباده خولاً ودينه دخلاً بينهم». مجتمع ضاعت القيم فيه في خضم حب الدنيا، مجتمع يواجه فيه أمير المؤمنين عليه السلام مصاعب جمَّة عندما يريد قيادة الناس إلى الجهاد.

كان أكثر الخواص في عهد أمير المؤمنين من المناصرين للحق؛ أي من الذين كانوا يعرفون الحق، ولكنهم يرجحون الدنيا على الاخرة. وهو ما أدى به إلى خوض ثلاث معارك، وأنهى فترة حكمه التي استمرت أربع سنوات وتسعة أشهر في هذه المعارك الثلاثة! إلى أن استُشهد في نهاية المطاف على يد أحد الأشقياء.

إن دم أمير المؤمنين عليه السلام غالٍ كدم الإمام الحسين عليه السلام. تقرأون في زيارة عاشوراء: «السلام عليك يا ثار اللَّه وابن ثاره». أي أن اللَّه تعالى هو ولي دم الإمام الحسين عليه السلام وولي دم أبيه أمير المؤمنين‏عليه السلام، ولم يرد مثل هذا التعبير لأحد غيره. من البديهي أن لكل دم يراق ولي، وهو ما يسمى بولي الدم؛ فالأب ولي دم ولده، والولد ولي دم أبيه، والأخ ولي دم أخيه، ويسمى هذا عند العرب ثأراً، المطالبة بالدم ومالكية حق الدم يسمونها بالثأر. والذي يطالب بدم الإمام الحسين هو تعالى، كما أنه هو المطالب بدم أمير المؤمنين عليه السلام، إذن ولي دم هاتين الشخصيتين هو اللَّه تعالى.

لقد استُشهد أمير المؤمنين عليه السلام بسبب تلك الأوضاع. ومن بعده جاء ابنه الحسن‏عليه السلام الذي لم يتسنّ‏َ له الصمود بوجه تلك الحالة أكثر من ستة أشهر، إذ تخلى عنه أنصاره وتركوه فريداً وحيداً؛ فرأى أنه إذا سار لمحاربة معاوية بهذه الثلَّة القليلة واستُشهد فلن يُطالب أحد حتى بثأره نتيجة الانحطاط الأخلاقي في المجتمع الإسلامي، وبين هؤلاء الخواص! وان دعاية معاوية وأمواله وحيله ستستحوذ على الجميع، وسيقول الناس بعد مضي سنة أو سنتين: أن الإمام الحسن لم يحسن صنعاً  أساساً  حين تحدى معاوية، ومعنى هذا أن دمه سيذهب هدراً، لذلك تحمَّل جميع المصاعب ولم يلق بنفسه في ميدان الشهادة.

إن الشهادة تكون أحياناً أسهل من البقاء على قيد الحياة. وهذا المعنى يدركه جيداً أهل الحكمة والدقَّة والافاق المعنوية. أحياناً تصبح الحياة والعمل في أجواء معيَّنة أصعب بكثير من القتل والشهادة ولقاء الله، لكن الإمام الحسن عليه السلام سلك هذا السبيل الأصعب.

في تلك الأوضاع كان الخواص في حالة انهيار ولم يكونوا على استعداد للقيام بأي تحرك. ولهذا السبب حينما استلم يزيد السلطة ثار عليه الإمام الحسين عليه السلام؛ لأن يزيد بما يتصف به من صفات سيئة كان من السهولة محاربته، وفيما لو قتل أحد في محاربته لا يذهب دمه هدراً.






 

الدرس الثالث عشر : الخواص وخيار الثورة

كانت الأوضاع في عهد الإمام الحسين عليه السلام لا خيار فيها إلاَّ خيار الثورة، على العكس من زمن الإمام الحسن عليه السلام الذي فيه خياران: خيار الشهادة وخيار الحياة، وكان البقاء على قيد الحياة أكثر ثواباً وجدوى ومشقَّة من القتل، والإمام الحسن عليه السلام اختار هذا المسلك الوعر. ولكن الوضع لم يكن على هذه الصورة في عهد الإمام الحسين‏عليه السلام ولم يكن هناك إلاَّ خيار واحد! والبقاء على قيد الحياة الذي يعني عدم الثورة ما كان له انذاك أي معنى، كان لا بد له من الثورة، سواء انتهى به الأمر إلى القبض على الحكم أم كان مصيره إلى الشهادة. كان عليه أن يرسم الطريق ويركّز لواء الدلالة عليه، ليكون واضحاً أن الأمور إذا بلغت هذا الحد لا بدَّ وأن يكون التحرك في هذا الاتجاه.

وعندما ثار الحسين عليه السلام لم يأت الكثير من هؤلاء الخواص لنصرته مع ما كانت له من منزلة عظمى في المجتمع الإسلامي! لاحظوا مدى الضرر الناجم عن وجود هؤلاء الخواص في المجتمع؛ الخواص الذين يرجحون دنياهم حتى على مصير العالم الإسلامي لقرون مقبلة، مع ما كان للإمام الحسين من مكانة وشهرة.

كنت أنظر في قضايا ثورة الإمام الحسين عليه السلام وحركته من المدينة، ولاحظت أنه في الليلة التي سبقت مسيره من المدينة كان عبد اللَّه بن الزبير قد خرج من المدينة أيضاً، وفي الحقيقة كان كلاهما في وضع واحد، ولكن أين الإمام الحسين عليه السلام من عبد اللَّه بن الزبير؟ فحديث الإمام الحسين وكلامه وخطابه، أجبر والي المدينة انذاك  وهو الوليد  على أن يرقق كلامه ولا يتبع الغلظة مع الحسين عليه السلام، وما إن تفوَّه مروان بكلمة، إلاَّ والحسين يردّ عليه مهدداً غاضباً، ولا حيلة لمروان إلاَّ السكوت ذليلاً.

هؤلاء الأشخاص أنفسهم ذهبوا وحاصروا دار عبد اللَّه بن الزبير، فأخرج إليهم أخاه، فاستأذن منهم أن يسير معهم إلى دار الإمارة في تلك اللحظة، فأهانوه وهددوه إن هو لم يخرج إليهم قتلوه، حتى خضع لهم وتوسَّل إليهم في أن يأذنوا له أن يرسل أخاه، وغدا يأتيهم بنفسه.

ومع أن عبد اللَّه بن الزبير كان شخصية بارزة أيضاً إلاَّ أن موقفه كان يختلف إلى هذا الحد مع موقف الإمام الحسين ولم يكن أحد يتجرَّأ على التصرف مع الإمام الحسين أو مخاطبته بهذا الأسلوب لما له من حرمة وما يتسم به من عظمة وشخصية وهيبة وقوة روحية.

وفي طريقه إلى مكة كان كل من يلقاه ويتكلم معه يخاطبه بالقول: جعلت فداك، أو بأبي أنت وأمي، أو عمي وخالي فداك. هكذا كانوا يكلمون الإمام الحسين، وهكذا كانت له مكانة ممتازة وبارزة في المجتمع الإسلامي.

فقد جاءه عبد اللَّه بن مطيع وهو في مكة وقال له: «يا ابن رسول اللَّه، إن قتلت لنسترقن من بعدك». أي أن هؤلاء القوم يحجزهم عن أذانا خشيتهم لك وهيبتهم منك، وانك إذا ثرت عليهم وقتلت اتخذونا رقيقاً لهم.

كانت للإمام الحسين عليه السلام مكانة وعظمة يخضع لها حتى عبد اللَّه ابن عباس، وعبد اللَّه بن جعفر وحتى عبد اللَّه بن الزبير  مع أنه لم يكن ينظر للإمام الحسين بعين الارتياح  كان يبدي له غاية التبجيل والإكرام.

إن جميع الأكابر والخواص من أنصار الحق، أي الذين لم يكونوا إلى جانب الحكومة الأموية ولم يدخلوا جبهة الباطل، وحتى من بينهم الكثير من الشيعة الذين يقرِّون بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام ويعتبرونه الخليفة الأول شرعاً، هؤلاء بأجمعهم حينما أحسُّوا ببطش السلطة الحاكمة، تخاذلوا رغبة في الحفاظ على أنفسهم وأموالهم ومناصبهم. ونتيجة لتخاذل هؤلاء، مال عوام الناس إلى جانب الباطل.

فلو نظرنا إلى أسماء أهل الكوفة الذين كاتبوا الإمام الحسين عليه السلام ودعوه للقدوم إليهم، وكان كلهم طبعاً من طبقة الخواص ومن أكابر القوم ووجهاء الناس، حيث كان عدد الرسائل هائلاً وبلغ مئات الصفحات، وربما ملأت عدَّة خروج. والذين كتبوها غالباً من الأعيان والوجهاء، يتبين من خلال لهجة تلك الرسائل كم عدد الخواص من أنصار الحق ومن كان على استعداد للتضحية بدينه من أجل دنياه، ومن منهم كان حريصاً على التضحية بالدنيا في سبيل الدين. وهذا ما يمكن أن يُستشفّ من خلال الرسائل.

ولكن بما أن عدد الذين كانوا يميلون إلى التضحية بالدين في سبيل الدنيا كان أكبر، الت النتيجة إلى مقتل مسلم بن عقيل في الكوفة بعدما كان قد بايعه ثمانية عشر ألفاً من أهلها. وبعد ذلك خرج منها عشرون أو ثلاثون ألفاً لقتال الإمام الحسين عليه السلام بكربلاء.

معنى هذا أن حركة الخواص تجلب في أعقابها حركة العوام. لا أدري هل عظمة هذه الحقيقة التي تلازم الناس الواعين على الدوام، تتبين لنا بشكل واضح صحيح أم لا؟ لا بد وأنكم سمعتم بما جرى في الكوفة؛ إذ كان القوم قد كتبوا الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام أن أقدم علينا معززاً، فأوفد إليهم مسلم بن عقيل ليطلع على حقيقة الموقف؛ إن كان خيراً سار إليهم بنفسه.

سار مسلم إلى الكوفة، ودخل دور كبار الشيعة؛ وتلا عليهم كتاب الإمام الحسين إليهم، فأخذ الناس يفدون عليه زرافات زرافات ويعلنون عن ولائهم. وكان النعمان بن بشير والي الكوفة انذاك شخصاً ضعيفاً ومسالماً، فأعلن أنه لا يقاتل إلاَّ من يقاتله؛ ولم ينهض لمجابهة مسلم بن عقيل، فرأى الناس أن المجال مفسوح أمامهم، فجاءوا إلى مسلم وبايعوه.

بعث بعض الخواص المؤيدين للباطل  من أنصار الأمويين  رسالة إلى يزيد يعلمونه فيها إن كانت له في الكوفة حاجة فليولي عليها رجلاً حازماً، وأن النعمان بن بشير لا طاقة له على مجابهة مسلم بن عقيل.

كتب يزيد إلى عبيد اللَّه بن زياد الذي كان والياً على البصرة حينذاك يعلمه فيها بأنه عيَّنه والياً على الكوفة مع احتفاظه بولاية البصرة. وانطلق عبيد اللَّه من ساعته يحثّ السير من البصرة إلى الكوفة. ويتضح دور الخواص أيضاً من خلال مجيئه إلى هناك.

وصل عبيد اللَّه إلى مشارف الكوفة ليلاً، وما أن رأى الناس رجلاً ملثماً قادماً ومعه الخيل والعدَّة، حتى ظنَّه العوام أنه الإمام الحسين، فتقدموا إليه بكل بساطة وحيُّوه قائلين: «السلام عليك يا ابن رسول اللَّه». هذه صفة عوام الناس؛ ليست لأحدهم قدرة على التحليل أو النظر في الأمر، فما أن رأوا شخصاً قادماً ومعه الخيل والعدة حتى ظنوه الإمام الحسين عليه السلام حتى قبل أن يتحدث معهم بكلمة واحدة. وأخذ الجميع يردد أنه الإمام الحسين. كان الجدير بهم أن يتأملوا ليعرفوا من هو.

لكن هذا القادم لم يلتفت إلى الناس، وسار إلى دار الإمارة وعرَّفهم بنفسه ودخل القصر. وبدأ يخطط من هناك للقضاء على وثبة مسلم بن عقيل، وتركَّزت مساعيه على استخدام أشد أساليب الضغط والتهديد والتعذيب ضد أنصار مسلم بن عقيل. واحتال على هاني بن عروة واستقدمه إلى القصر، وشجّ‏َ رأسه ووجهه، ولما احتشد بعض الناس حول القصر نجح بتفريقهم بأساليب الحيلة والكذب. وهنا أيضاً يتضح دور الخواص الفاسدين الذين يسمون بأنصار الحق، وهم الذين عرفوا الحق وميزوه، لكنهم رجحوا دنياهم على الدين.

وبعد أن سار مسلم بن عقيل بحشد كبير من أنصاره  جاء في كتاب ابن الأثير أن عددهم بلغ ثلاثين ألفاً، والذين أحاطوا بداره فقط بلغ عددهم أربعة الاف يحملون السيوف دفاعاً عنه، كان هذا في اليوم التاسع من ذي الحجة  سارع ابن زياد إلى بث بعض خواص الباطل بنيهم لأجل إثارة الخوف والرعب فيهم، ويشيعوا بينهم أن لبني أمية كل شي‏ء؛ السلاح والمال والقوة، وأن هؤلاء لا شي‏ء عندهم. فاستشرى الذعر بين الناس وأخذوا يتفرقون عنه تدريجياً، وما أن حان وقت صلاة العشاء حتى لم يبق مع مسلم أحد. ونادى منادي ابن زياد: يجب أن يحضر الجميع إلى مسجد الكوفة عند صلاة العشاء ليصلُّوا معه! وجاء في المصادر التاريخية أن المسجد امتلأ بالناس للصلاة خلف ابن زياد.






 

الدرس الرابع عشر : الخواص والتخلي عن الحق‏

فلماذا الت الأمور إلى ذلك المال؟ إنني حينما أنظر أرى أن ذلك يعزى إلى الخواص من أنصار الحق الذين سلك بعضهم مسلكاً اتسم بغاية التخاذل، من أمثال شريح القاضي! وشريح هذا لم يكن من بني أمية وكان يعرف حقيقة الأوضاع ويدرك أن الحق مع من. فحينما جاءوا بهاني بن عروة وشجُّوا رأسه وجرحوا وجهه وألقوه في السجن، هبَّت عشيرته وحاصرت قصر ابن زياد، فخشي ابن زياد اجتماعهم؛ إذ يرون أن قاتل هاني هو ابن زياد، لذلك أمر شريحاً أن يذهب ليرى بعينه أن هاني حي.

اطَّلع شريح على حياة هاني بنفسه ولكنه وجده مجروحاً، فبما أن رأى هاني شريحاً القاضي حتى استغاث بالمسلمين )مخاطباً لشريح( أين قومي؟ هل ماتوا؟ لماذا لا يأتون وينقذوني مما أنا فيه؟

يقول شريح: أردت أن أذهب وأبلغ المجتمعين حول قصر الإمارة بمقالة هاني، لكن للأسف كان هناك جاسوس ابن زياد، فلم أستطع! ماذا يعني )لم أستطع(؟ يعني ترجيح الدنيا على الدين.

لعلّ‏َ شريح لو كان فعل ذلك لتغيَّر التاريخ، لو قال للناس أن هاني حي ولكنه في السجن، وابن زياد يريد قتله  ولم يكن ابن زياد قد استولى على الأمور بعد  لهجموا وأنقذوا هاني وأصبحوا أكثر قوة وشكيمة ولقبضوا على ابن زياد وقتلوه أو أخرجوه من هناك، ولاستتب أمر الكوفة للحسين عليه السلام، ولما وقعت حادثة كربلاء! ولو لم تقع حادثة كربلاء لانتهى الأمر إلى استلام الإمام الحسين لزمام الحكم، ولو أن هذا الحكم استمر تسعة أشهر  وربما كان يمتد لفترة أطول  لكانت له بركة كبيرة في التاريخ.

قد تؤدي حركة ما أحياناً إلى تبديل وجه التاريخ. وقد تقود حركة أخرى مغلوطة وناتجة عن الخوف والضعف وحب الدنيا والحرص على الحياة، إلى جعل التاريخ يتمرغ في مهاوي الضياع. أنت )يا شريح القاضي( لماذا لم تشهد بالحق حينما رأيت هاني على تلك الحالة؟! هذا هو دور الخواص الذي يفضلون الدنيا على الدين.

حينما أمر ابن زياد رؤساء القبائل أن يذهبوا ويعملوا على تفريق الناس من حول مسلم، لماذا أطاعوا أمره؟ فهم لم يكونوا بأجمعهم من الأمويين، ولم يكونوا قد قدموا من الشام، بل أن بعضهم كان ممن كتب الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام كشبث بن ربعي الذي كان قد كتب له رسالة ودعاه إلى القدوم! هذا الرجل كان من جملة الذين أمرهم ابن زياد بالسعي لتفريق الناس، فذهب وأخذ يثبّط الناس ويستخدم أساليب التهديد والتخويف والإغراء، وساهم في تفريق الناس عنه. لماذا فعلوا هكذا؟

لو أن شخصاً كشبث بن ربعي خشي اللَّه في لحظة مصيرية، بدلاً من خشية ابن زياد، لتبدَّل وجه التاريخ! لكن هؤلاء انبروا لتثبيط الناس؛ فتفرَّق العوام.

ولكن لماذا تفرَّق الخواص المؤمنون المحيطون بمسلم؟ مع أنهم كان من بينهم شخصيات خيّرة وصالحة وبعضهم سار في ما بعد إلى كربلاء واستُشهد هناك. لكنهم أخطأوا في ذلك الموقف. من الطبيعي أن الذين استُشهدوا في كربلاء قد كفَّروا عن خطئهم ذلك. ونحن هنا لا نتحدث عنهم ولا نذكر أسمائهم. ولكن أيضاً كان من بينهم من لم يأت إلى كربلاء! لم يستطيعوا أو لم يوفقوا، لكنهم انخرطوا في ما بعد في صفوف التوابين.

ولكن ما فائدة ذلك بعدما وقعت فاجعة كربلاء وقُتل سبط الرسول‏صلى الله عليه و آله و سلم، وبدأت حركة التاريخ بالانتكاس؟ ولهذا السبب كان عدد التوَّابين عدة أضعاف شهداء كربلاء. شهداء كربلاء صُرعوا كلهم في يوم واحد، والتوابون صُرعوا كلهم في يوم واحد أيضاً. ولكن تلاحظون أن الأثر الذي تركه التوَّابون في التاريخ لا يعدل واحداً من ألف مما خلفه شهداء كربلاء! وذلك لأنهم لم يبادروا إلى ذلك العمل في وقته، ولأن تشخيصهم وقرارهم قد جاء متأخراً. لماذا تركوا مسلم وحده، بعدما جاء إليهم كمندوب عن الإمام الحسين عليه السلام، وبعدما بايعوه وأنا هنا لا أخاطب العوام بل أعني الخواص. لماذا حينما جنّ‏َ عليه الليل تركوه يلتجى‏ء إلى دار طوعة؟!

لو أن الخواص لم يتخلوا عن مسلم، ولو وقف إلى جانبه على سبيل المثال مائة رجل، واووه في دار أحدهم ودافعوا عنه، ومسلم حتى حينما كان وحده حينما أرادوا اعتقاله بقي يقاوم عدة ساعات، واستطاع بعد أن هجموا عليه عدة مرات، ورغم كثرة عددهم أن يردهم على أعقابهم، ولو كان معه مائة رجل، هل كان بإمكانهم القبض عليه؟! كلا؛ لأن الناس سيهبون لنجدتهم.

إذن الخواص قصَّروا هنا إذ لم يهبوا لمؤازرة مسلم. لاحظوا أينما تذهبون تصطدمون بموقف الخواص. من الواضح أن قرار الخواص في الوقت المناسب، ورؤيتهم الصائبة للأمور في الوقت المناسب، وتجاوزهم عن الدنيا في اللحظة المناسبة، وموقفهم في سبيل اللَّه في الفرصة المؤاتية، هو الذي يستنقذ التاريخ ويصون القيم. وهذا ما يوجب اتخاذ الموقف المناسب في اللحظة المناسبة، أما إذا فات الأوان، فلا جدوى في ما وراء ذلك.

لو أن الخواص شخَّصوا ما ينبغي عمله في الظرف المناسب، وطبَّقوا ذلك لتغير وجه التاريخ، ولما سيق أمثال الحسين بن علي إلى ميادين كميدان كربلاء. وإذا كان الخواص قد أساءوا الفهم، أو أبطأوا في الفهم.

فاعلموا أن التاريخ ستتكرر فيه وقائع كواقعة كربلاء! وعد الله تعالى بنصرة من ينصره، أن قام أحد للَّه وبذل جهده يكون النصر حليفه.






 

الدرس الخامس عشر : الامام الحسين عليه السلام منذ الطفولة وحتى الشهادة

ولأجل أن يتضح مدى عظم تلك الفاجعة، أستعرض بصورة إجمالية ثلاثة مراحل قصيرة من حياة أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام، لنرى شخصية الحسين عليه السلام في هذه المراحل الثلاثة، هل من الممكن أن يحتمل أحد أنه ينتهي به المال يوم عاشوراء إلى أن تحاصره حشود من أمة جده وتقتله أشنع قتلة هو وأصحابه وأهل بيته وتسبى عياله؟

تتلخص تلك المراحل الثلاثة في:

أولاً: مرحلة الطفولة وتبدأ منذ نعومة أظفاره إلى تاريخ وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.

ثانياً: مرحلة شبابه.. أي خمس وعشرون سنة، من وفاة جده إلى خلافة أمير المؤمنين عليه السلام.

ثالثاً: المرحلة التي استمرت عشرين سنة من بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام إلى واقعة كربلاء

ففي المرحلة الأولى: أي في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم كان الحسين عليه السلام طفلاً مدللاً ومحبوباً عند رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم. فقد كان لرسول اللَّه‏صلى الله عليه و آله و سلم بنت، وكان المسلمون يعلمون جميعاً انذاك أنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إني لأغضب لغضب فاطمة وأرضى لرضاها». فانظروا عظيم منزلة هذه البنت بحيث أن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يبجّلها بهذه الكلمات وأمثالها في محضر المسلمين والملأ العام. وليس هذا بالأمر العادي.

وزوَّجها الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم لشخص كان ذروة في الماثر، هو علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان شاباً شجاعاً شريفاً ومن أكثر الناس إيماناً وأسبقهم إلى الاسلام، وأكثرهم مشاركة في كل ميادينه، علي.. من قام الإسلام بسيفه.. ومن كان يقدم حيثما يحجم الاخرون ويحل المستعصي من العقد.. فهذا الصهر العزيز المحبوب الذي لم تكن محبته منطلقة من وازع القرابة وما شاكلها من الوشائج، وإنما كانت انطلاقاً من عظمة شخصيته، ولهذه الأسباب زوَّجه ابنته، فكان من نسلهم الحسين و...

وهذا الكلام يصدق كله أيضاً على الإمام الحسن عليه السلام. إلاَّ أن كلامي هنا يدور حول الإمام الحسين عليه السلام.. أعزّ عزيز عند الرسول.. الذي كان زعيم العالم الإسلامي وحاكم المسلمين ومحبوب كل القلوب يضمه بين ذراعيه ويصطحبه إلى المسجد. والمسلمون كانوا يعلمون أن هذا الطفل هو محبوب قلب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم الذي تذوب القلوب جميعاً في محبته. فحينما كان الرسول يلقي خطبة من فوق المنبر علقت رجل هذا الطفل بعائق فسقط على الأرض، فنزل الرسول من فوق المنبر واحتضنه ولاطفه. هكذا كانت محبة الحسين عليه السلام عند الرسول‏صلى الله عليه و آله و سلم.

إنّ‏َ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال عن الحسن والحسين  عليهما السلام  وهما انذاك في السابعة والسادسة من عمريهما: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». قال فيهما هذا القول وهما لا زالا طفلين. أي أنهما حتى وإن كانا في تلك السن إلاَّ أنهما يفهمان ويدركان ويعملان كمن هو في سن الشباب، ويفوح الأدب والشرف من جنبيهما.

ولو قال قائل حينذاك أن هذا الطفل سيقتل على يد أمة هذا الرسول بلا جرم أو جريرة، ما كان ليصدّقه أحد. مثلما صرَّح رسول اللَّه نفسه بتلك الحقيقة المرَّة وبكى لها. وتعجَّب في وقتها الجميع، مستنكرين إمكانية حدوث عمل كهذا.

المرحلة الثانية: هي الفترة التي استمرت خمساً وعشرين سنة من وفاة الرسول إلى خلافة أمير المؤمنين عليه السلام. إذ كان عليه السلام شاباً متوثباً وعالماً وشجاعاً، شارك في الحروب وخاض شدائد الأمور. كان معروفاً عند الجميع بالعظمة وعندما يأتي ذكر الكرام تشخص إليه الأبصار وتحوم حوله الأذهان. واسمه يسطع بين جميع مسلمي مكة والمدينة وحيثما امتد الإسلام، بكل فضيلة ومكرمة. والكل ينظر إليه وإلى أخيه باحترام وتكريم. وحتى خلفاء ذلك العصر كانوا يبدون لهما التعظيم والإجلال. وكان مثالاً ومقتدى لشباب ذلك العهد. وهكذا لو أن شخصاً قال انذاك أن هذا الشاب سيُقتل على يد هذه الأمة، لما صدَّقه أحد.

المرحلة الثالثة: هي تلك المرحلة التي حلَّت من بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وكان دور غربة أهل البيت. فكان الإمامان الحسن والحسين يقيمان خلال تلك المدة في مدينة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم. بعد مقتل أمير المؤمنين بعشرين سنة، انحصرت الإمامة في الحسين على جميع المسلمين  وإن لم تكن الخلافة في يده  وبدى مفتياً كبيراً، وزاد احترامه عند الجميع، وأضحى عروة يتمسك بها كل من يريد التمسك بأهل البيت. فكان ذا شخصية محبوبة ورجلاً شريفاً نجيباً أصيلاً عالماً. حتى انه بعث في ذلك الوقت بكتاب إلى معاوية، لو كان غيره كتبه لأي حاكم لكان جزاؤه القتل. إلاَّ أن معاوية حينما وصله الكتاب تلقَّاه بكل تكريم وقرأه متغاضياً عما جاء فيه. ثم لو أن أحداً كان يقول في ذلك الوقت أن هذا الرجل الشريف الكريم العزيز النجيب الذي يجسّد الإسلام والقران في نظر كل ناظر، سيُقتل عما قريب على يد أمة الإسلام والقران قتلة شنيعة، لم يكن أحد ليتصوَّر صحة ذلك. إلاَّ أن هذه الواقعة العجيبة البعيدة عن التصور، قد حصلت فعلاً!

ولكن من الذين فعلوا ذلك؟ فعله أولئك الذين كانوا يترددون عليه ويوالونه ويعربون له عن محبتهم وإخلاصهم! فما معنى هذا؟ معناه أن المجتمع الإسلامي أفرغ طوال هذه الخمسين سنة من قيمه المعنوية وجُرِّد من حقيقة الإسلام، فكان ظاهره إسلامياً وباطنه خاوياً. وهنا هو مكمن الخطر.






 

الدرس السادس عشر : الأبعاد المعنوية في شخصية الامام الحسين عليه السلام

إن من جملة عشرات بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمة الإسلامية بفضل القران والإسلام وأهل البيت، هي أن لهذه الأمة قدوات كبيرة ومشرقة نصب عينيها. وللقدوات أهميتها في حياة الشعوب؛ فإذا ما وجد لدى أمة شخصية فيها نفحة عظمة، فإن تلك الأمة لا تنفك عن تمجيد تلك الشخصية والتغني بها وتخليد اسمها، من أجل توجيه المسار العام لحركة تلك الأمة في الاتجاه المتوخي لها. وقد لا يكون هناك في الواقع أي وجود حقيقي لمثل هذه الشخصية، وإنما يستقى من شخصية خيالية مطروحة في القصص والأشعار والأساطير الشعبية؛ وهذا كله نابع من حاجة الأمة لرؤية قدوات كبار أمام عينيها من أبنائها. وهذه الظاهرة موجودة في الإسلام على نحو وافر ومنقطع النظير، ومن جملة أكابر تلك القدوات هي شخصية أبي عبد اللَّه عليه السلام إمام المسلمين وسبط الرسول، والشهيد الكبير في تاريخ الإنسانية.

إن لشخصية أبي عبد اللَّه عليه السلام أبعاداً شتَّى يستلزم كل واحد منها بياناً وتوضيحاً شاملاً، أشير ها هنا إلى أن من جملتها «الإخلاص»، والإخلاص معناه الالتزام بالواجب الإلهي وعدم إدخال المصالح الذاتية والفئوية والدوافع المادية فيه. والبعد الاخر هو الثقة باللَّه، إذ أن ظواهر الأمور كانت تقضي بأن تلك الشعلة ستخفت في صحراء كربلاء، ولكن كيف يرى ذلك الفرزدق الشاعر في حين لم يكن يراه الحسين؟! ويراه الناصحون القادمون من الكوفة، ولا يراه الحسين بن علي الذي كان عين اللَّه؟! لقد كانت ظواهر الأمور توحي بهذا المال، إلاَّ أن الثقة باللَّه كانت توجب عليه اليقين  رغم كل هذه الظواهر  بأن الغلبة ستكون لكلامه الصدق ولموقفه الحق. وجوهر القضية هو أن تتحقق نيَّة المرء وغايته. والإنسان المخلص لا تهمه ذاته فيما إذا تحققت الغاية التي يرمي اليها.

رأيت ذات مرة أحد أكابر أهل السلوك والمعرفة كتب في رسالة: أننا إذا افترضنا  على سبيل المحال  أن كل الأعمال التي كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يطمح إلى تحقيقها قد تحققت، ولكن باسم شخص اخر، فهل كان ذلك يغيظ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم؟ وهل كان قد يقف منها موقفاً سلبياً ما دامت باسم شخص اخر، أو أنه يقف منها موقفاً إيجابياً بدون الالتفات إلى الاسم الذي تتحقق على يده؟ إذن فالغاية هي المهمة، والإنسان المخلص لا يأبه كثيراً بالشخص وبالذات وبالأنا، باعتباره إنساناً مخلصاً وله ثقة باللَّه، وموثقاً بأن الباري تعالى سيحقق هذا الهدف؛ لأنه تعالى قال: «إن جندنا لهم الغالبون» فالكثير من الجنود الغالبين يخرُّون صرعى في ميادين الجهاد، إلاَّ أنه تعالى قال في الوقت ذاته: «إن جندنا لهم الغالبون».

أما البعد الثالث فهو إدراك الموقف، وعدم الوقوع في الخطأ في اتخاذه، فقد كان الإمام الحسين عليه السلام متصدياً لزمام المسؤولية والإمامة مدة عشر سنوات، مارس خلالها نشاطات أخرى ليست من طراز الفعل الاستشهادي في كربلاء، ولكن بمجرد أن سنحت له الفرصة للإتيان بعمل كبير استغلّ‏َ تلك الفرصة ووثب وتمسَّك بها، ولم يدعها تفلت من بين يديه.






 

الدرس السابع عشر : الشهادة والعرفان‏

لشخصية الإمام الحسين عليه السلام الألمعية والباهرة، بعدان اخران: بعد الجهاد والشهادة والإعصار الذي أحدثه على مدى التاريخ، وسيبقى هذا الإعصار على ما يتَّسم به من بركات  مدوياً على مدى الدهر، وأنتم مطَّلعون على هذا البعد الأول. أما البعد الاخر فهو بعد معنوي وعرفاني، ويتجلَّى هذا البعد في دعاء عرفة بشكل واضح وعجيب. وقلَّما يوجد لدينا دعاء يحمل هذه اللوعة والحرقة والانسياق المنتظم في التوسُّل إلى اللَّه والابتهال إليه بالفناء فيه، إنه حقاً دعاء عظيم.

ثمَّة دعاء اخر ليوم عرفة ورد في الصحيفة السجادية عن نجل هذا الإمام العظيم، كنت في وقت أقارن بين هذين الدعائين. فكنت أقرأ أولاً دعاء الإمام الحسين، وأقرأ من بعده الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية، وقد تبادر إلى ذهني مرات عديدة أن دعاء الإمام السجاد عليه السلام يبدو وكأنه شرح لدعاء يوم عرفة. فالأول  أي دعاء الحسين‏عليه السلام في يوم عرفة  هو المتن والثاني شرح له، وذاك أصل وهذا فرع، دعاء عرفة دعاء مذهل حقاً. وفي خطابه عليه السلام الذي ألقاه على مسامع كبار شخصيات عصره وأكابر المسلمين التابعين في منى تجدون نفس تلك النغمة والنفس الحسيني المشهود في دعاء عرفة. ويبدو أن خطابه ذلك كان في تلك السنة الأخيرة، أو ربما في سنة أخرى غيرها، لا استحضر ذلك حالياً في ذهني لكنه مسطور في كتب التاريخ والحديث.

إن نظرنا إلى واقعة عاشوراء وأحداث كربلاء، فمع أنها ساحة قتال وسيف وقتل، لكنكم ترون الحسين عليه السلام يتكلم ويتعامل بلسان الحب والرضا والعرفان مع اللَّه تعالى، اخر المعركة حيث وضع خده المبارك على تراب كربلاء اللاهبة، تراه يقول: «إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك»، وكذا حين خروجه من مكة يقول: «من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء اللَّه نفسه، فليرحل معنا». كل قضية كربلاء ترون فيها وجه العرفان والتضرُّع والابتهال. اقترن خروجه ذاك بالتوسل والمناجاة وأمنية لقاء اللَّه، وبدأ بذلك الاندفاع المعنوي المشهور في دعاء عرفة، إلى أن انتهى به المطاف في اللحظة الأخيرة، إلى حفرة المنحر حيث قال: «ورضاً بقضائك».

معنى هذا أن واقعة عاشوراء تعدّ بحد ذاتها واقعة عرفانية. ومع أنها امتزجت بالقتال والقتل والشهادة والملحمة  وملحمة عاشوراء صفحة رائعة بشكل يفوق التصور  ولكن إن نظرتم إلى عمق نسيج هذه الواقعة الملحميَّة لرأيتم معالم العرفان، والمعنوية، والتضرع، وجوهرية دعاء عرفة. إذن فهذا هو البعد الاخر في شخصية الإمام الحسين‏عليه السلام، وهو ما ينبغي أن يكون موضع اهتمام إلى جانب البعد الأول المتمثل بالجهاد والشهادة.

القضية التي أروم الإشارة إليها هي أنه يمكن القول قطعاً أن هذا الاندفاع المعنوي، والعرفان، والابتهال إلى اللَّه والفناء فيه، وعدم رؤية الذات أمام إرادته المقدَّسة، هو الذي أضفى على واقعة كربلاء هذا الجلال والعظمة والخلود، أو بعبارة أخرى أن البعد الأول؛ أي بعد الجهاد والشهادة، جاء كحصيلة ونتاج للبعد الثاني. أي نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية التي يفتقد إليها الكثير من المؤمنين ممن يجاهدون وينالون الشهادة بكل ما لها من كرامة، نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية تجدها في شهادة أخرى نابعة من روح الإيمان، ومنبثقة من قلب يتحرق شوقاً، وصادرة عن روح متلهفة للقاء اللَّه، ومستغرقة في ذات اللَّه. هذا اللون الاخر من المجاهدة له طعم ونكهة أخرى، ويضفي أثراً اخر على التكوين.

نحن شهدنا في فترة الحرب نفحات من تلك النسمة المقدسة، ولم يكن ما سمعتموه من تأكيدات سماحة الإمام الخميني قدس سره على قراءة وصايا الشهداء وصايا صرفة لا يبتغي شيئاً وراءها  حسب ظني  فهو نفسه كان قد قرأ تلك الوصايا، وأثَّرت في قلبه المبارك تلك الجمرات المتلظية، فرغب في أن لا يحرم الاخرين من هذه الفائدة. كما إنني والحمد للَّه كنت طوال فترة الحرب وما بعدها وحتى يومنا هذا أستأنس بقراءة هذه الوصايا؛ ولاحظت كيف أن بعضها نابعة من أعماق روح العرفان.

فالمرحلة التي يبلغها العارف والسالك على مدى ثلاثين أو أربعين سنة؛ يتعبد ويرتاض، ويواصل الدراسة على يد الأساتذة، ويكثر من البكاء والتضرع ويكابد المشاق لأجلها، يستطيع أن ينالها شاب في مدة عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً، أو عشرين يوماً في الجبهة. أي منذ اللحظة التي يتوجه فيها ذلك الشاب إلى الجبهة بأي دافع كان مع وجود الدافع الديني الممتزج بحماس الشباب ثم يتحول ذلك الاندفاع لديه بالتدريج إلى عزم على التضحية والجود بكل وجوده، ويسطر ذكرياته أو وصيته، وهو من تلك اللحظات وحتى لحظة استشهاده يزداد تحمساً وشوقاً، ويصبح سيره أسرع وقربه أدنى، إلى أن تأتي الأيام الأخيرة وتحلّ الساعات واللحظات الأخيرة، فإن يكن قد بقي منه شي‏ء حينذاك، فهو كجمرة تتلظى، تلسع قلوب من يقرئون تلك الوصايا.






 

الدرس الثامن عشر : فلسفة الأهداف والنتائج الحسينية (أهداف الثورة الحسينية)‏

لقد قيل الكثير عن نهضة هذا العظيم، لكن الإنسان كلما فكَّر وتدبَّر في هذا الموضوع، كلما اتَّسع مجال التفكير والبحث والتحقيق والمطالعة عنده، فقد بقي الكثير مما لم يقال عن هذه الحادثة العظيمة والعجيبة التي لا نظير لها. فعلينا أن نتدبر ونتفكر فيه ثم نقوله للاخرين.

لو نظرنا الحادثة منذ أن خرج أبو عبد اللَّه عليه السلام من المدينة وتوجَّه نحو مكة إلى أن استشهد في كربلاء، لأمكننا أن نقول إن الإنسان يستطيع عد مائة درس مهم في هذا التحرك الذي استمر أشهر معدودة فقط. ولا أود القول الاف الدروس وإن أمكن قول ذلك حيث تعتبر كل إشارة من ذلك الإمام العظيم درساً، لكن عندما نقول مائة درس أي لو أردنا أن ندقق في هذه الأعمال لأمكننا استقصاء مائة عنوان وفصل، وكل فصل يعتبر درساً لأمة وتاريخ وبلد ولتربية النفس وإدارة المجتمع وللتقرُّب إلى اللَّه. فهكذا هو الحسين بن علي )أرواحنا فداه وفداء اسمه وذكره( كالشمس الساطعة بين القديسين، أي إن كان الأنبياء والأئمة والشهداء والصالحين كالأقمار والأنجم، فالحسين‏عليه السلام كالشمس الطالعة بينهم، كل ذلك لأجل هذه الأمور.

وإلى جانب المائة درس هذه، هناك درس رئيسي في هذا التحرك، سأسعى لتوضيحه لكم وهو لماذا ثار الحسين عليه السلام؟ لماذا ثرت يا حسين رغم كونك شخصية لها احترامها في المدينة ومكة، ولك شيعتك في اليمن، اذهب إلى مكان لا عليك بيزيد ولا ليزيد عليك شي‏ء، تعيش وتعبد اللَّه وتبلغ؟

هذا هو السؤال والدرس الرئيسي، ولا نقول إن أحداً لم يشر إلى هذا الأمر من قبل، فقد حققوا وتحدثوا كثيراً في هذه القضية، وما نود قوله اليوم  وفي رأيي  هو استنتاج جامع ورؤية جديدة للقضية.

إن البعض يقول: إن هدف ثورة أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام هو إسقاط حكومة يزيد الفاسدة وإقامة حكومة بدلها.

هذا القول شبه صحيح وليس خطأ، لأنه لو كان القصد من هذا الكلام هو أن الحسين عليه السلام ثار لأجل إقامة حكومة وعندما يرى عدم إمكانية ذلك، يقول لم نتمكن من ذلك، فلنرجع.

إن من يثور لأجل إقامة حكومة، سيستمر ما دام يرى إمكانية ذلك، فإن احتمل عدم الإمكان أو عدم وجود احتمال عقلائي، فوظيفته أن يرجع. فالذي يقول إن هدف الإمام‏عليه السلام من هذه الثورة هو إقامة الحكومة العلوية الحقة، فهذا غير صحيح؛ لأن مجموع هذا التحرك لا يدل على ذلك. وسأبين ذلك لاحقاً.

والبعض على العكس من ذلك، قالوا: ما الحكومة؟ إن الحسين كان يعلم بعدم تمكّنه من إقامة الحكومة، إنه جاء لأجل أن يقتل ويستشهد. لقد شاع هذا الكلام على الألسن كثيراً فترة من الزمن، وكان البعض يصنع ذلك بتعابير جميلة، ثم رأيت أن بعض كبار العلماء قد قالوا ذلك أيضاً، فهذا لا يعتبر كلاماً جديداً وهو أن الإمام عليه السلام ثار لأجل أن يستشهد، لأنه رأى أنه لا يمكنه عمل شي‏ء بالبقاء، فقال يجب أن أعمل شيئاً بالشهادة.

هذا الرأي أيضاً لا يوجد في المصادر الشرعية الإسلامية ما يؤيده. إن الشهادة التي نعرفها في الشرع المقدَّس والايات والروايات معناها أن يتحرك الإنسان ويستقبل الموت لأجل هدف مقدَّس واجب أو راجح، هذه هي الشهادة الإسلامية الصحيحة. أما أن يتحرك الإنسان لأجل أن يقتل فلا، إذن هذا الأمر وإن كان فيه جانباً من الحقيقة لكن لم يكن هدف الحسين عليه السلام.

إذن  باختصار  لا يمكننا القول: إن الحسين عليه السلام ثار لأجل إقامة الحكومة، ولا أن نقول: إنه ثار لأجل أن يستشهد. وإنني أتصور أن القائلين بأن الهدف هو الحكومة أو الهدف هو الشهادة قد خلطوا بين الهدف والنتيجة. فالهدف لم يكن ذلك، بل كان للإمام الحسين عليه السلام هدف اخر، كان الوصول إليه يتطلب طريقاً وحركة تنتهي بإحدى النتيجتين: الحكومة أو الشهادة، وكان الإمام مستعداً لكلتا النتيجتين، فقد أعد مقدمات الحكم وكذا مقدمات الشهادة، فإذا تحقق أي منهما، كان صحيحاً، لكن لم يكن أي منهما هدفاً، بل كانا نتيجتين.

إذن ما هو الهدف؟ أقول باختصار ثم أبدأ بتوضيحه قليلاً.

لو أردنا بيان هدف الإمام الحسين عليه السلام، فينبغي أن نقول هكذا: إن هدف ذلك العظيم كان أداء واجب عظيم من واجبات الدين لم يؤده أحد قبله، لا النبي صلى الله عليه و آله و سلم ولا أمير المؤمنين عليه السلام ولا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، واجب يحتل مكاناً مهماً في البناء العام للنظام الفكري والقيمي والعملي للإسلام. ورغم أن هذا الواجب مهم وأساسي، لكنه لماذا لم يقم بهذا الواجب حتى عهد الإمام الحسين عليه السلام؟ كان ينبغي على الإمام الحسين عليه السلام القيام بهذا الواجب ليكون درساً على مرّ التاريخ، مثلما أن تأسيس النبي‏صلى الله عليه و آله و سلم للحكومة الإسلامية أصبح درساً على مرّ تاريخ الإسلام، ومثلما أصبح جهاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم في سبيل اللَّه درساً على مرّ تاريخ المسلمين وتاريخ البشرية إلى الأبد. فكان ينبغي أن يؤدي الإمام الحسين عليه السلام هذا الواجب ليصبح درساً عملياً للمسلمين على مر التاريخ.

ولماذا قام الإمام الحسين عليه السلام بهذا الواجب؟ لأن أرضية هذا العمل قد مهَّدت في زمن الإمام الحسين عليه السلام، فلو لم تمهّد هذه الأرضية في زمن الإمام الحسين عليه السلام، كأن مهَّدت  وعلى سبيل المثال  في زمن الإمام على الهادي عليه السلام لقام الإمام علي الهادي عليه السلام بهذا الواجب، لصار هو ذبيح الإسلام العظيم، ولو اتفق ذلك في زمن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لقام به، أو اتفق في عصر الإمام الصادق عليه السلام لقام به الإمام الصادق عليه السلام، لكن لم يتفق ذلك في زمن الأئمة حتى عصر الغيبة إلاَّ في عصر الإمام الحسين عليه السلام.

إذن كان الهدف أداء هذا الواجب، فعندها تكون نتيجة أداء الواجب أحد الأمرين إما الوصول إلى الحكم والسلطة وكان الإمام الحسين عليه السلام مستعداً لذلك؛ ليعود المجتمع كما كان عليه في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام، أو يصل إلى الشهادة وكان الإمام الحسين مستعداً لها أيضاً.

فإن اللَّه قد خلق الحسين والأئمة بحيث يتحملون مثل هذه الشهادة لمثل هذا الأمر، وقد تحمل الإمام الحسين عليه السلام ذلك. هذا خلاصة الأمر.

وإن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم  وكذا أي نبي  عندما بعث، أتى بمجموعة من الأحكام، بعضها فردية لإصلاح الفرد، وبعضها اجتماعية لبناء المجتمعات البشريَّة وإدارة الحياة البشرية. هذه المجموعة من الأحكام يُقال لها النظام الإسلامي.

فعندما نزل الإسلام على القلب المقدَّس للنبي الأكرم‏صلى الله عليه و آله و سلم، فجاء بالصلاة والصوم والزكاة والإنفاقات والحج والأحكام الأسرية والعلاقات الفردية، ثم جاء بالجهاد في سبيل اللَّه وإقامة الحكومة والنظام الاقتصادي وعلاقات الحاكم بالرعية ووظائف الرعية تجاه الحاكم.

هذه المجموعة من الأحكام عرضها الإسلام على البشر، وبينها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنة ويُبعدكم من النار إلاَّ وقد أمرتكم به». ولم يبين النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كل ما يسعد الإنسان والمجتمع الإنساني فحسب، بل طبَّقها وعمل بها، فقد أقام الحكومة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وطبَّق الاقتصاد الإسلامي، وأقيم الجهاد واستحصلت الزكاة، فشيَّد نظاماً إسلامياً وأصبح النبي الأكرم‏صلى الله عليه و آله و سلم وخليفته من بعده معمار وقائد هذا النظام حيث كان الطريق واضحاً وبيّناً، فوجب على الفرد وعلى المجتمع الإسلامي أن يسير في هذا الطريق وعلى هذا النهج، فإن كان كذلك بلغ الناس الكمال، أصبحوا صالحين كالملائكة، وذهب الظلم والشر والفساد والفرقة والفقر والجهل بين الناس، ووصل الناس إلى السعادة الكاملة ليصبحوا عباد اللَّه الكُمَّل.






 

الدرس التاسع عشر : التكليف في ظل الإنحراف

حسناً، يبقى  هنا  سؤال وهو: لو صرفت يد أو حادثة القطار الذي سيَّره النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عن مسيره، فما هو التكليف؟ لو انحرف المجتمع الإسلامي وبلغ الانحراف درجة بحيث خيف انحراف أصل الاسلام والمبادى‏ء الإسلامية  لأن الانحراف على قسمين، فتارة ينحرف الناس، وهذا ما يقع كثيراً، لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، وتارة ينحرف الناس ويفسد الحكَّام والعلماء ومبلغو الدين، فيحرفوا القران والحقائق، وتبدَّل الحسنات سيئات والسيئات حسنات. ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويحرف الإسلام 180 درجة  فلو ابتلي النظام والمجتمع الإسلامي بمثل هذا الأمر، فما هو التكليف حينئذٍ؟

لقد بيَّن النبي صلى الله عليه و آله و سلم وحدَّد القران التكليف «من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم». إضافة إلى ايات وروايات كثيرة أخرى.

لكن هل تمكَّن النبي صلى الله عليه و آله و سلم من العمل بهذا الحكم الإلهي؟ كلا، لأن هذا الحكم الإسلامي يطبّق في عصر ينحرف فيه المجتمع الإسلامي ويبلغ حداً يخاف فيه من ضياع أصل الإسلام، والمجتمع الإسلامي لم ينحرف في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، ولم ينحرف في عهد أمير المؤمنين‏عليه السلام بتلك الصورة، وكذا في عهد الإمام الحسن عليه السلام عندما كان معاوية على رأس السلطة، وإن ظهرت الكثير من علائم ذلك الانحراف، لكنه لم يبلغ الحد الذي يخاف فيه على أصل الإسلام. نعم، يمكن أن يُقال إنه بلغ في برهة من الزمن الحد، لكن في تلك الفترة لم تتاح الفرصة ولم يكن الوقت مناسباً للقيام بهذا الأمر.

إن هذا الحكم الذي يعتبر من الأحكام الإسلامية لا يقلّ أهمية عن الحكومة ذاتها، لأن الحكومة تعني إدارة المجتمع، فلو انحرف المجتمع وفسد، وتعطَّل الحكم الإلهي، ولم يوجد عندنا حكم وجوب تغيير الوضع وتجديد الحياة أو بتعبير اليوم )الثورة(، فما الفائدة في الحكومة في الإسلام. فالحكم الذي يرتبط بإرجاع المجتمع المنحرف إلى الخط الصحيح لا يقل أهمية عن الحكومة ذاتها، ويمكن أن يقال إنه أكثر أهمية من جهاد الكفار ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الطبيعيين في المجتمع الإسلامي، بل وحتى من العبادات الإلهية العظيمة كالحج. لماذا؟ لأن هذا الحكم  في الحقيقة  يضمن إحياء الإسلام بعد أن أشرف على الموت أو مات وانتهى.

إن الذي يجب عليه أداء هذا الحكم وهذا التكليف؟ هو خليفة النبي الذي يقع في عصره هذا الانحراف بشرط أن يكون الوقت مناسباً للقيام بذلك، لأن اللَّه لا يكلّف بشي‏ء لا فائدة فيه. طبعاً ليس معنى )أن يكون الوقت مناسباً( هو عدم وجود الخطر، كلا، ليس هذا هو المقصود. بل يجب أن يكون الوقت مناسباً، أي أن الإنسان يعلم أن هذا العمل الذي يقوم به تترتب عليه نتيجة إبلاغ النداء إلى الناس وإفهامهم وعدم بقائهم على خطأهم. وربما أن الإسلام قد انحرف في عصر الإمام الحسين عليه السلام وكان الوقت مناسباً، لذا وجب على الحسين عليه السلام أن يثور. فالشخص الذي تولى السلطة بعد معاوية لم يراع حتى جوهر الإسلام، وكان منغمساً في الخمر والمجون والتهكم بالقران وترويج الشعر الإباحي المرفوض من قِبَل الإسلام، فكان يخالف الإسلام علناً، وكان بعمله هذا كنبع الماء العفن الذي يفسد كل ما حوله. وهكذا يكون الحاكم الفاسد، فبما أنه يتربَّع على قمة المرتفع، فما يصدر منه لا يبقى في مكانه، بل ينتشر ليملأ ما حوله، خلافاً للناس العاديين حيث يبقى فسادهم لأنفسهم أو للبعض ممن حولهم، طبعاً كل من شغل مقاماً ومنصباً أرفع في المجتمع الإسلامي كان ضرر فساده أكبر. لكن لو فسد من يقع على رأس السلطة لانتشر فساده وشمل كل الأرض، كما أنه لو كان صالحاً، لامتدَّ الصلاح إلى كل مكان.

فشخص كهذا أصبح خليفة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، فهل هناك انحرافاً أكبر من هذا؟

إذن الأرضية ممهدة. وما معنى أن الأرضية ممهدة؟ هل معناه عدم وجود الخطر؟ كلا، فالخطر موجود. فلا معنى أن يبقى من هو على رأس السلطة ساكتاً أمام معارضيه ولا يخلق لهم المخاطر، بل من البديهي أن يوجه لهم الضربات، فعندما نقول الوقت المناسب، فمعناه أن الظروف في المجتمع الإسلامي مواتية لأن يبلغ الإمام الحسين‏عليه السلام نداءه إلى الناس في ذلك العصر وعلى مرّ التاريخ.

فلو أراد الإمام الحسين عليه السلام الثورة في عصر معاوية لما سمع نداؤه؛ وذلك لأن الحكم والسياسات كانت بشكل لا يمكن للناس فيها سماع قول الحق، لذلك فإن الإمام الحسين‏عليه السلام لم يقدم على شي‏ء ولم يثر أيام خلافة معاوية، مثلما أن الإمام الحسين‏عليه السلام لم يثر على معاوية، لأن الظروف لم تكن مواتية، وليس معنى ذلك أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن أهلاً لذلك، فلا فرق بين الإمام الحسن عليه السلام وبين الإمام الحسين عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين والإمام السجاد عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين‏عليه السلام والإمام علي الهادي عليه السلام أو الإمام الحسن العسكري عليه السلام، طبعاً منزلة الإمام الحسين‏عليه السلام  الذي أدى هذا الجهاد  أرفع من الذين لم يؤدوه ولكنهم سواء في منصب الإمامة، ولو وقع في عصر أي منهم هذا الأمر لثار ذلك الإمام ونال تلك المنزلة.

فالإمام الحسين عليه السلام واجه مثل هذا الانحراف، والظروف كانت مواتية، فلا محيص للإمام عليه السلام من تأدية هذا التكليف. لهذا فعندما قال له عبد اللَّه بن جعفر ومحمد بن الحنفية وعبد اللَّه بن عباس  الذين كانوا من العلماء والعارفين بأحكام الدين  أن تحركك فيه خطر فلا تذهب، أرادوا أن يقولوا: إن التكليف قد سقط عنك لوجود الخطر. لكنهم لم يدركوا أن هذا التكليف ليس بالتكليف الذي يسقط بوجود الخطر، لأن مثل هذا التكليف فيه خطر دوماً، فهل يمكن لإنسان أن يثور ضد سلطة مقتدرة في الظاهر ولا يواجه خطراً.

لقد كانوا يقولون للإمام الخميني قدس سره إن الخطر في مواجهتم للشاه، فهل أن الإمام لم يكن يعلم بالخطر؟ ألم يكن الإمام يعلم أن جهاز الأمن البهلوي يعتقل ويقتل ويعذب؟ بلى فالذي حدث في عصر الإمام الحسين عليه السلام حدث في عصر الإمام الخميني، فقد كان هدف الإمام الحسين عليه السلام وهدف إمامنا العظيم مشتركاً وهو إرجاع الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الصراط المستقيم والخط الصحيح بعد أن انحرف عن المسير وانحرف المسلمون نتيجة جهل وظلم واستبداد وخيانة البعض وكانت الظروف مواتية في عصرنا مثلما كانت مواتية في زمن الإمام الحسين عليه السلام، فأقدم الإمام قدس سره على نفس العمل، لكن مع فارق وهو أن الثورة ضد الحكم الباطل في عصرنا انتهت بإقامة الحكومة الإسلامية والحمد للَّه، لكن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت نتيجتها الشهادة، فهل أن الثورة في الصورة )الثانية( لا تصبح واجباً؟ وهل لا فائدة فيها إن كانت نتيجتها الشهادة؟ كلا، إن الثورة واجبة وإن انتهت بالشهادة، ولا فرق في ذلك سواء انتهت بالشهادة أو الحكم، لكن لكل منهما نوع من الفائدة.






 

الدرس العشرون : الثورة من أجل الاصلاح‏

إذن يمكننا أن نلخّص القضية بهذه الصورة وهي: أن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لتأدية واجب عظيم هو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الخط الصحيح أو الثورة ضد الانحرافات الخطيرة في المجتمع الإسلامي. وهذا ما يتم بالثورة وعن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو مصداق عظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. طبعاً  وكما قلت  فقد تكون نتيجتها إقامة الحكومة، وقد تكون الشهادة، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام مستعداً لكلتا النتيجتين. ودليلي على ذلك هو ما استنتجته من أقوال الإمام الحسين عليه السلام نفسه، إنني انتخبت بعض أقوال أبي عبد اللَّه عليه السلام وكلها تشير إلى هذ المعنى:

1  عندما استدعى والي المدينة )الوليد( الإمام الحسين عليه السلام ليلاً وقال له: إن معاوية قد مات وعليك بمبايعة يزيد، فردَّ عليه الإمام عليه السلام: «نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة» وعند الصباح عندما لقي مروان أبا عبد اللَّه عليه السلام طلب منه مبايعة يزيد وعدم تعريض نفسه للقتل، فأجابه الإمام عليه السلام: «إنا للَّه وإنَّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد».

فالقضية ليست شخص يزيد، بل مثل يزيد، ويريد الإمام الحسين‏عليه السلام أن يقول: لقد تحملنا كل ما مضى، أما الان فإن أصل الدين والإسلام والنظام الإسلامي في خطر إشارة إلى أن الانحراف خطر جدي، فالقضية هي الخطر على أصل الإسلام.

2  في وصيته إلى أخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من مكة  فأبو عبد اللَّه عليه السلام قد أوصى أخاه محمداً بن الحنفية، مرتين: الأولى عند خروجه من المدينة، والثانية عند خروجه من مكة، وأتصور أن هذه الوصية كانت عند خروجه من مكة في شهر ذي الحجة  فبعد الشهادة بوحدانية اللَّه ورسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و... يقول الإمام عليه السلام: «وإني ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت أريد الإصلاح في أمة جدي» أي أريد الثورة لأجل الإصلاح لا للوصول إلى الحكم حتماً أو للشهادة حتماً، والإصلاح ليس بالأمر الهيّن، فقد تكون الظروف بصورة بحيث يصل الإنسان إلى سدَّة الحكم ويمسك بزمام السلطة وقد لا يمكنه ويستشهد، وفي كلتا الحالتين فالثورة تكون لأجل الإصلاح. ثم يقول عليه السلام: «أريد أن امر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي». والإصلاح يتم عن هذا الطريق، وهو ما قلنا إنه مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3  عندما كان الإمام عليه السلام بمكة، بعث بكتابين، الأول إلى رؤساء البصرة والثاني إلى رؤساء الكوفة، جاء في كتابه إلى رؤساء البصرة: «وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب اللَّه وسنَّة نبيه، فإن السنَّة قد أميتت والبدعة قد أحييت، فإن تسمعوا قولي أهديكم إلى سبيل الرشاد». أي يريد الإمام الحسين عليه السلام تأدية ذلك التكليف العظيم وهو إحياء الإسلام وسنَّة النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

وجاء في كتابه إلى رؤساء الكوفة: «فلعمري ما الإمام إلاَّ العامل بالكتاب والاخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه عن ذات اللَّه، والسلام» أي بيَّن الإمام عليه السلام هدفه من الخروج، وكان الإمام عليه السلام يخاطب الناس في كل منزل ينزل فيه بعد خروجه من مكة.

4  عندما )واجه الحسين عليه السلام جيش الحر( وسار بأصحابه في ناحية والحر ومن معه في ناحية حتى بلغ «البيضة».

خاطب الإمام عليه السلام أصحاب الحر، فقال: «أيها الناس إن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللَّه ناكثاً لعهد اللَّه مخالفاً لسنَّة رسول اللَّه يعمل في عباد اللَّه بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على اللَّه أن يدخله مدخله». فالنبي صلى الله عليه و آله و سلم بيَّن ما يجب عمله إذا انحرف النظام الإسلامي، وقد استند الإمام الحسين عليه السلام إلى قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم هذا.

إذن التكليف هو «يغير عليه بفعل أو قول»، فإن واجه الإنسان هذا الأمر وكان الظرف مؤاتٍ كما قلنا، وجب عليه أن يثور ضد هذا الأمر ولو بلغ ما بلغ، يقتل، يبقى حياً، ينجح في الظاهر أو لا ينجح.

يجب على كل مسلم أن يثور أمام هذا الوضع، وهذا تكليف قال به النبي صلى الله عليه و آله و سلم. ثم قال عليه السلام: «وأنا أحق من غيري» لأني سبط النبي‏صلى الله عليه و آله و سلم، فإن كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد أوجب على المسلمين فرداً فرداً هذا الأمر، كان سبط النبي صلى الله عليه و آله و سلم ووارث علمه وحكمته الحسين بن علي عليه السلام أحق أن يثور، فإني خرجت لهذا الأمر. فيعلن عن سبب وهدف ثورته وهو لأجل «التغيير» أي الثورة ضد هذا الوضع السائد.

5  لما نزل ب«الغريب» التحق به أربعة نفر، فقال لهم الإمام عليه السلام: «أما واللَّه إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد اللَّه بنا قتلنا أم ظفرنا» وهذا دليل على قولنا عندما قلنا لا فرق سواء انتصر أو قُتل، يجب أداء التكليف.

6  في أول خطبة له عليه السلام عند نزوله بكربلاء، يقول عليه السلام: «وقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون» إلى أن يقول: «ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللَّه محقاً...» إلى اخر الخطبة.

إذن ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت تأدية لواجب وهو عبارة عن وجوب الثورة على كل مسلم حال رؤية تفشّي الفساد في جذور المجتمع الإسلامي بحيث يخاف من تغيير كلي في أحكام الإسلام، وكانت الظروف مواتية، وعلم بأن لهذه الثورة نتيجة، وليس شرطاً البقاء حياً وعدم القتل وعدم التعرّض للتعذيب والأذى والمعاناة.






 

الدرس الحادي والعشرون : الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال‏

فالحسين عليه السلام قد ثار وأدى هذا الواجب عملياً ليكون درساً للجميع، وقد تتوفر الظروف المناسبة لأي أحد للقيام بهذا العمل على مر التاريخ، طبعاً الظروف لم تكن مواتية في عصر سائر الأئمة عليهم السلام من بعد الإمام الحسين عليه السلام، وهذا الأمر له تفسير وهو وجود أعمال مهمة أخرى وجب القيام بها. فلم تتوفر هذه الظروف بعد ذلك في المجتمع الإسلامي إلى أواخر عصر الأئمة عليهم السلام وبداية عصر الغيبة، لكن قد تتوفر مثل هذه الظروف في الدول الإسلامية على مرّ التاريخ، وقد تكون الأرضية في بعض أقطار العالم الإسلامي  الان  مهيَّأة لقيام المسلمين بذلك أيضاً. فإن قاموا بذلك، فقد صانوا الإسلام وضمنوا بقاءه، وقد يواجه واحد أو اثنان الفشل، لكن عندما يكثر هذا التغيير وهذه الثورة والحركة الإصلاحية، فثقوا باجتثاث جذور الفساد والانحراف.

إن الإمام الحسين عليه السلام قد علَّم التاريخ الإسلامي درساً عملياً عظيماً، وضَمنَ بقاء الإسلام في عصره وسائر العصور. فأينما وجد مثل هذا الفساد، كان الإمام الحسين‏عليه السلام حياً حاضراً هناك يعلمنا بأسلوبه وفعله ما يجب علينا عمله. لهذا يجب أن يبقى اسم الحسين‏عليه السلام حياً وتبقى ذكرى كربلاء حيَّة؛ لأن ذكرى كربلاء تجعل هذا الدرس العملي نصب أعيننا.

ومع الأسف إن درس عاشوراء ليس معروفاً في سائر الدول الإسلامية كما ينبغي. لقد كان معروفاً في بلدنا وكان الناس يعرفون الإمام الحسين عليه السلام وثورته، لقد كانت الروح الحسينيَّة موجودة لهذا لم يعجب الناس عندما قال الإمام قدس سره إن محرم هو شهر انتصار الدم على السيف، وهي الحقيقة، وانتصر الدم على السيف.

لقد قلت هذه المطالب في مجلس قبل الثورة، ب25 عاماً تقريباً، قلت للأخوة والأخوات أن أيها الأعزة، بأي لسان يقول الحسين عليه السلام ما هو تكليفكم؟ فالظروف هي تلك الظروف، والحياة هي تلك الحياة، والإسلام هو ذلك الإسلام، والإمام الحسين‏عليه السلام قد بيَّن عملياً وظيفة كل الأجيال، ولو لم تنقل كلمة واحدة عن الإمام الحسين عليه السلام لوجب علينا أن نعرف تكليفنا. إن الشعب المكبَّل بالقيود وفي مفاسد حكامه، الشعب المتسلّط على رقابه والقابض على زمام أموره أعداء الدين، وجب عليه أن يدرك تكليفه، لأن سبط النبي صلى الله عليه و آله و سلم والإمام المعصوم قد علَّمنا ما يجب علينا فعله في مثل هذه الظروف، ولم يمكن ذلك باللسان، فلو قال ذلك بمائة لسان ولم يثر هو لما أمكن أن يمرّ هذا النداء عبر التاريخ، فالنصيحة والأقوال ليستا اللتين تمرَّان عبر التاريخ فقط، فهناك الالاف من التعابير، بل يجب القيام بعمل عظيم وصعب كهذا وتضحية عظيمة وأليمة كالتي قام بها الإمام الحسين عليه السلام. والحقيقة فإن ما هو أمام أعيننا من واقعة عاشوراء التي لا نظير ولا مثيل لها بين جميع الحوادث والفواجع البشرية، وكما قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم وأمير المؤمنين‏عليه السلام والإمام الحسن عليه السلام  على ما ورد في الروايات : «لا يوم كيومك يا أبا عبد اللَّه».

كان المجتمع الذي ثار فيه الحسين قابعاً تحت وطأة ثقيلة من الاستبداد والطغيان، ويمارس فيه الحكام ألوان البطش والتنكيل بحق كل من يتوجسون منهم معارضة لسلطانهم.

في مثل هذا الجو، ثار الحسين عليه السلام مع جماعة قليلة من خواص أصحابه وأهل بيته، وأدى واجبه الإلهي بكل شجاعة وصبر وصمود وعزة، وترك لكل الأجيال المسلمة على مرّ التاريخ درساً عملياً ناطقاً صارخاً.

حادثة استشهاد الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته كشفت عن منتهى الوحشية والفظاعة والقسوة والانحطاط الخلقي وموت الضمير في قتلته الظالمين، كما تركت للتأريخ أروع صورة منقطعة النظير من السمو الإنساني والارتفاع الخلقي وعزة النفس وعظمة الروح والتضحية في سبيل المبدأ لدى الثائرين في سبيل اللَّه وفي سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أرض كربلاء

يا أبناء أمتنا الإسلامية! درس الحسين عليه السلام ملك لجميع المسلمين على مرّ الأجيال، والتحرك الحسيني في كل عصر يضمن بقاء الإسلام وعزة المسلمين. الحسين عليه السلام أدى رسالته في أقسى الظروف كي لا يبقى لأحد عذر إن قست عليه الظروف. وببركة دماء الحسين وبعد استشهاده مباشرة توالت الثورات في العالم الإسلامي حتى أدَّت إلى انهيار الحكم الأموي المرواني الغاشم.

وهذا الذي حدث بعد واقعة كربلاء درس اخر يوضح للمسلمين أن الاستشهاد في سبيل اللَّه  وإن كان يبدو في النظرة السطحيَّة فشلاً وهزيمة  قادر على أن يزلزل عروش الظالمين وأن يضمن بقاء مسيرة قمع الباطل، وإقامة الحق في المجتمع الإسلامي.

إن الشعب الإيراني المسلم نهض بثورته الإسلامية الكبرى مستلهماً روح الحسين‏عليه السلام، والإمام الراحل قدس سره أعلن أن شهر محرم شهر انتصار الدم على السيف. وانتصر الدم على السيف، واقتلعت من الجذور الحكومة الملكية الظالمة في إيران المدعومة دعماً كاملاً من أمريكا والغرب والتي كان للكتلة الشرقية  الموجودة يومئذٍ  أيضاً معها روابط وديَّة، قلعها الشعب من الجذور، ورفع راية الاسلام خفَّاقة على هذا الجزء من أرض أمتنا الإسلامية.

ويوم عاشوراء هو بالنسبة لأبناء الأمة إضافة إلى ما فيه من دروس، يوم شكر أيضاً، شكر للَّه سبحانه وتعالى أن وضع شرعة الجهاد التي سار عليها الحسين عليه السلام ليصون الأمة من الذل والهوان، الشكر له سبحانه وله المنَّة أن جعل الأمة تقتدي بالإمام الحسين‏عليه السلام، وتستلهم من روح عاشوراء ما يعينها على تسجيل ملحمة بطولة كبرى من ملاحم الثائرين الرساليين في التاريخ. الشكر للَّه سبحانه وله المنَّة أن جعل روح الحسين عليه السلام حيَّة بين جماهير أمتنا بعد انتصارها على طاغوت إيران تتحدى طواغيت العالم وتصدم بوجه مؤامراتهم ودسائسهم ومكائدهم، وتقدم لكل الأمة الإسلامية مثلاً أعلى لمن يريد العزَّة تحت ظل راية الإسلام.






 

الدرس الثاني والعشرون : المسؤولية وتشخيص الواجب‏

هناك عدة نقاط في قضية ثورة عاشوراء بحيث لو بحثها العالم الإسلامي والمفكرون الإسلاميون من أبعادها المختلفة ودققوا النظر في ظروفها المختلفة ومقدماتها ولواحقها وما أحاط بهذه الحادثة فسيصبح بالإمكان تحديد سبل الحياة الإسلامية ووظائف الأجيال المسلمة في جميع الأزمنة.

وأحد هذه الدروس هي أن الإمام الحسين بن علي عليه السلام قد شخَّص في وقت حسَّاس جداً من تاريخ الإسلام الوظيفة الرئيسية من بين الوظائف المتنوعة والتي لها مراتب متفاوتة من الأهمية، وأنجزها ولم يخطى‏ء أو يشتبه في معرفة ما كان العالم الإسلامي في ذلك اليوم بحاجة إليه. لقد كان تشخيص الوظيفة الأصلية دائماً أحد نقاط الخلل والضعف في حياة المسلمين في العصور المختلفة. الخلل في تشخيص الوظيفة الأصلية يعني أن أفراد الأمة والقيادة والرجال البارزين في العالم الإسلامي يخطئون في تشخيص الوظيفة الأصلية في مقطع من الزمن بمعنى أنهم لا يعلمون ما هي الوظيفة الإلهية وأنه يجب الشروع بها وحتى إذا لزم الأمر يجب التضحية بسائر الأمور في سبيلها ولا يعلمون ما هي الوظيفة الفرعية والتي تأتي في الدرجة الثانية. يجب أن يعطى كل عمل الأهمية التي يستحقها ويسعى في سبيل تحقيقها.

في نفس الوقت الذي تحرَّك به حضرة أبي عبد اللَّه عليه السلام كان هناك أشخاص إذا قيل لهم: هل ننتفض أو لا؟ فإن جوابهم سيكون بالنفي لعلمهم بأن وراء هذا العمل مشاكل ومتاعب كثيرة ويذهبون وراء وظائف من الدرجة الثانية كما رأينا أن البعض قد قام بهذا العمل فعلاً. لقد كان هناك أشخاص مؤمنون وملتزمون بين الذين لم ينهضوا مع الإمام الحسين عليه السلام. فليس من الصحيح أن يعدوا جميعاً من أهل الدنيا، لقد كان بين رؤساء ورموز المسلمين في ذلك الوقت أشخاص مؤمنون وأشخاص يرغبون بالعمل وفقاً للتكليف. لكنهم لم يدركوا التكليف الرئيسي، ولم يشخّصوا أوضاع ذلك الزمان. ولم يعرفوا العدو الرئيسي وكانوا يخلطون بين الوظيفة الرئيسية المحورية والوظائف التي هي من الدرجة الثانية أو الثالثة. ولقد كان هذا الأمر أحد الإبتلاءات العظيمة للعالم الإسلامي، ويمكن أن نبتلى نحن  اليوم  بذلك أيضاً. من الممكن أن نخطى‏ء في تشخيص ما هو أهم فنعالج أشياء أقل أهمية. يجب اكتشاف تلك الوظيفة الأساسية والتي يعتمد عليها قوام وحياة المجتمع.

ذات يوم كان يطرح في بلادنا الصراع ضد الاستعمار والاستبداد وضد جهاز الطاغوت الكافر، لم يكن البعض يشخّصون الوظيفة الأصلية، ويتمسَّكون بأعمال أخرى. هؤلاء الأشخاص الذين ربما كان عندهم دروس أو مؤلفات أو كانوا يديرون حوزة علمية تبليغية صغيرة، أو أنهم كانوا يتحملون مسؤولية إرشاد جمع قليل من الناس، هؤلاء كانوا يعتقدون أنهم لو خاضوا في قضية الصراع فإن هذه الأعمال ستبقى معطَّلة! لقد كان هؤلاء يتركون النضال على عظمته وأهميته من أجل أن لا تتوقف تلك الأعمال! وهذا يعني الخطأ في تشخيص الواجب المهم والأهم.

لقد أوضح الإمام الحسين بن علي عليه السلام في بيانه للجميع أن أهم وظائف العالم الإسلامي في تلك الظروف هو الصراع مع رأس القوة الطاغوتية والإقدام على إنقاذ الناس من سلطتها الشيطانية. من البديهي أن الحسين بن علي عليه السلام عندما يتجه إلى العراق لأجل واقعة كواقعة عاشوراء، فانه سوف يحرم من البقاء في المدينة وتبليغ الأحكام الإلهية للأمة وبيان معارف أهل البيت عليهم السلام وتعليم وتربية المسلمين، ولن يستطيع أن يعلّم الناس الصلاة وينقل لهم أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وبالطبع سوف تتعطل حوزته العلمية ونشره للمعارف وسوف يحرم من تقديم العون للأيتام والمساكين والفقراء في المدينة.

كل هذه كانت وظائف يقوم بها الإمام عليه السلام قبل حركته باتجاه العراق ولكنه جعلها جميعها فداءً للوظيفة الأكثر أهمية، وحتى أنه ضحَّى بحج بيت اللَّه في سبيل التكليف الأهم  كما يتناقل الخطباء والمبلّغون هذه القضية على ألسنتهم  وهذا في وقت شرعت فيه الناس بالوفود إلى بيت اللَّه الحرام. فماذا كان ذلك التكليف؟ لقد كان  حسبما قال ذلك الإنسان العظيم بنفسه  هو الصراع مع الجهاز الحاكم الذي هو منشأ الفساد.

«أريد أن امر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي» هذا هو التكليف. أو كما قال في خطبة أخرى في طريقه: «أيها الناس إن رسول اللَّه قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللَّه ناكثاً بعهد الله... فلم يغير عليه بقول ولا فعل كان حقاً على اللَّه أن يدخله مدخله».

التكليف عبارة عن تغيير سلطان الظلم والجور والقدرة التي تعيث في الأرض فساداً وتجر البشرية باتجاه الهلاك والفناء المادي والمعنوي. هذه هي فلسفة نهضة الحسين بن علي عليه السلام والتي اعتبرت المصداق الحقيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب الانتباه إلى هذه النقاط. حضرة أبي عبد اللَّه‏عليه السلام تحرَّك على ضوء التكليف الأهم وضحَّى بالتكاليف الأخرى في سبيل التكليف الأهم. كان يشخّص العمل الواجب في وقته. هناك حركة في كل زمان للمجتمع الإسلامي. في كل عصر هناك عدو وجبهة وخصم يهدد الإسلام والمسلمين ويجب أن يعرف ذلك العدو. فلو اشتبهنا في معرفة العدو والجهة التي يتعرَّض منها الإسلام للأذى والهجوم فسوف نخسر خسارة كبيرة لا يمكن جبرانها. ولو غفلنا عن ذلك فإن فرصاً كثيرة ستضيع من أيدينا. نحن موظفون بأن نخلق حالة قصوى من الحذر والانتباه وتحديد الأعداء ومعرفة التكاليف لدى شعبنا والعالم الإسلامي.

اليوم ونظراً لإقامة الحكومة الإسلامية وارتفاع راية الإسلام  الأمر الذي لا سابقة له في طول التاريخ الإسلامي بعد الصدر الأول  فإن الإمكانات متوفرة للمسلمين ولا يحق لنا بعد الان أن نغفل عن معرفة العدو ونخطى‏ء في تشخيص الجهة التي يهجم منها.

لقد كان جلّ سعي إمامنا العزيز قدس سره والأشخاص الذين كانوا يرافقونه في نهضته  على اختلاف مراتبهم وعلى حسب إمكانياتهم ومستوياتهم  هو أن يعلم العالم الإسلامي ومجتمع إيران الإسلام وقاعدة الحق والعدالة ما هو الخطر الأكبر الذي يحدق بهم وما هو العدو الأكثر تهديداً لهم. واليوم كسائر ما مضى فإن الهجمة العظمى والخطر الجارف ينشأ من الهيمنة العالمية والقوى الكافرة والمستكبرة. هذا أكبر الأخطار التي تهدد وجود المسلمين. صحيح أن الضعف يمكن أن يفرضه العدو بإمكاناته الضخمة على ذلك المجتمع.

لا ينبغي لنا أن نشتبه، يجب أن تكون مسيرة المجتمع الإسلامي في الاتجاه المخالف للإستكبار والهيمنة العالمية والتي تسود هذه الأيام على العالم الإسلامي. القوى العظمى تعادي الإسلام ويقظة المسلمين. إنهم يحاربون إيران الإسلام بسبب إسلاميتها، إن كل سعيهم لإخماد الحركة الإسلامية في العالم، وبالطبع فإن أميركا هذه الدولة المتجبرة والمعتدية تقف في رأس قائمة أعدائنا ويتلوها سائر القوى الصغيرة والكبيرة التي لها خصومة تاريخية وتضاد مصلحي مع الإسلام أو انهم يخشون منه. إن خصومتهم مع إيران الإسلامية ناشئة عن انطلاق الصحوة الإسلامية من هذا المكان، فجميع الشعوب الإسلامية وفي كل أرجاء الدنيا تستمد اليوم امالها من هذه الحركة والثورة المنتصرة وترسّخ خطواتها وتتقدم. فلو استطاع الأعداء  والعياذ باللَّه  أن يهزموا الإسلام في هذه النقطة من العالم فإنهم سيحققون أكبر نصر لهم مقابل موج الصحوة الإسلامية العالمية. هذه حقيقة ملموسة اليوم لا ينبغي أن نخطى‏ء في تشخيص عدونا ولا ينبغي توهم أن العدو قد صرف نظراً عن عدائه للإسلام والمسلمين.

هذه أحد مظاهر العداء للإسلام وأجلى مظهر لها هو الضغط المتواصل على الجمهورية الإسلامية، وكما ورد في القران الكريم «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم» حقاً إن هذا البيان لمن معجزات القران، فإن الأعداء لن يرضوا عن المسلمين إلاَّ إذا تخلوا عن الإسلام. والمقصود من التخلي عن الإسلام هو انعدام الروح الإسلامية والأحكام الإسلامية والقوة الحياتية للإسلام بين المسلمين. فلو كان المسلمون أمواتاً وغير عارفين بالمباني العالية للإسلام  وإن كانوا يطبقون بعض ظواهره فقط  فإن الأعداء لا يأبهون بنا كثيراً ولا يعادوننا. ولكن ذلك ليس هو الإسلام، ليس ذلك الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه و آله و سلم «كنتم خير أمةٍ أُخرِجَت للناس». أما أن تجلس فئة من الناس يتفرجون فقط على حوادث العالم بل يتفرجون حتى على القضايا الداخلية في مجتمعهم فلا يتطابق هذا مع الإسلام. إن المسلمين اليقظين وذوي الإطلاع والذين يستعملون قواهم لأجل بناء العالم بشكل صحيح ولا يرهبون شيئاً في هذا المجال هؤلاء يبغضهم الاستكبار العالمي، وقد لمسنا هذا البغض خلال السنوات الأخيرة وبأشكال مختلفة، ونشاهد اليوم أيضاً أشد هذه الأعمال الحاقدة في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والإعلامية.

اليوم لا يوجد هجوم عسكري علينا ولكن اليوم توجد هجمات شديدة أخرى لا سابقة لها، ويجب أن تكون الأمة الإسلامية في مقابل هذه الهجمات حيَّة يقظة، محصَّنة، واثقة بالنفس ومستعدة لتوجيه ضربتها القاصمة ومقاومة الهجمة الشاملة.






 

الدرس الثالث والعشرون : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف الأمة

لقد طرحت قبل مدة وجيزة مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالطبع لم تكن مسألة جديدة، فمسألة الأمر بالمعروف تكليف دائم للمسلمين.

فحياة المجتمع منوطة بوجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوام المجتمع الإسلامي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو لم ينجز هذا العمل «ليسلطنّ‏َ اللَّه عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم».

وقوام الحكومة الإسلامية وبقاء حاكمية الأخيار مرهونان بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التلفظ بكلمتين أو أكثر لأجل إسقاط التكليف في مقابل المنكرات التي لا يعلم كونها أخطر المنكرات.

عندما يكلّف جميع أفراد الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما معنى ذلك؟ متى يمكن أن يكون كل أفراد المجتمع امرين بالمعروف وناهين عن المنكر؟ الجواب هو عندما يحضر الجميع في خضم قضايا البلاد حضوراً حقيقياً جاداً، ويهتم الجميع بمسائل المجتمع ويعتنوا بها. فيجب أن يصبح الجميع خبراء في هذا المجال.

يجب أن يكون الجميع على إطلاع بالمعروف والمنكر. وهذا بمعنى رقابة وحضور وتعاون الجميع. وبمعنى الإطلاع الكافي لدى الجميع. هذا هو معنى الأمر بالمعروف، وإلاَّ فلو أمرنا بالمعروف في دائرة ضيّقة وحصرناها ضمن أفراد مشخصين، والعدو ينفث سمومه ويقول أن إيران قد قررت التعامل بهذه الوسيلة مع من لا يرتدين الحجاب الكامل، فهذا ليس صحيحاً. هل إن معنى الأمر بالمعروف هو أن يطبق هذا الواجب العظيم والذي يتقوم به كل شي‏ء في دائرة ضيقة في شوارع طهران وبالنسبة لبعض الناس ممن لا يراعون الزي الإسلامي؟ هل هذا هو معنى حضور القوى المؤمنة في ميادي المجتمع المختلفة؟ كلا، القضية أبعد من هذه الكلمات، فإن المخالفات ليست بمستوى واحد. المخالفات ليست فقط هي المخالفات الفردية. أخطر المخالفات والجرائم تلك التي تضعف أساس النظام القائم. فبث اليأس في نفوس الناس والقلوب المتفائلة، والإيحاء بانحراف الصراط المستقيم وإضلال المؤمنين والمخلصين، وسوء الاستفادة من الأوضاع والأحوال المتنوعة في المجتمع الإسلامي، وإعانة العدو، ومعارضة ترسيخ الأحكام الإسلامية ومقررات الإسلام، والسعي لجر الشباب المؤمن للفساد، هذه كلها منكرات مهمة وخطيرة.

اليوم تسعى أيادٍ خفية لترويج الفساد بين الشباب بطرق جماعية وبتوجيه من الأعداء  لا بالشكل الذي ترونه في الشارع وتشاهدونه  إنما يجرون أولادنا للفساد واللامبالاة. وهذه المنكرات أخلاقية وسياسية واقتصادية. وكل مكان أيضاً قابل للنهي عن المنكر فيه. فيستطيع الطالب أن ينهي عن المنكر في بيئته العلمية الدراسية، والموظف الشريف يتمكن من النهي عن المنكر في المحيط الذي حوله، والكاسب المؤمن قادر على النهي عن المنكر في محيط عمله، والفنان أيضاً ينهي عن المنكر بوسائله الفنية، والروحانيون من أهم عوامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي مختلف الأجواء، لا يجوز حصر هذا الواجب العظيم في دوائر ضيقة. هذا العمل، وظيفة الجميع، ولا يختص بفئة مثل القوات المسلَّحة أو السلطات المحليَّة، إنه عمل الجميع.. يجب أن تنهوا عن المنكر، وتقفوا في مقابل أي منكر، هذا العمل وظيفة الأمة، نعم على علماء الدين أن يوجهوا الناس، ويشرحوا لهم كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواردهما.

يجب أن نحدد موارد الخطر جميعاً، التي تهدد مجتمعنا الإسلامي، وينبغي أن نحلل لأنفسنا وللناس كل العبر التي استقيناها من الصدر الأول للإسلام، وأهم وظيفة في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي ضرورة تواجد القوات المؤمنة والحزب اللاهية الامرة بالمعروف والناهية عن المنكر وكل من لهم دوافع مماثلة في ميدان النظام الإسلامي وفي كل الميادين الأخرى.

الانتماء إلى حزب اللَّه يعني الاستعداد لأداء التكليف الإلهي، وهذه أحد القيم الثورية في النظام الإسلامي، فكل من يملك روحية )حزب اللَّه( مفضّل على من لا يملك هذه الروحية. في نظام الجمهورية الإسلامية، المدير والأستاذ والمسؤول والامر والفنان والكاتب المنتمي إلى حزب اللَّه مفضَّل على الاخرين. لا ينبغي أن يتوهم أن ال)حزب اللهي( شاب متهور مشاغب لا حصيلة ثقافية لديه، كلا ليس الأمر كذلك. فبين الكوادر المتخصصة والمتفوقين والمدراء والعلماء والأساتذة يوجد الكثير من أعضاء حزب اللَّه. لا ينبغي أن نرسم صورة خاطئة في أذهاننا عن حزب اللَّه، يجب أن يتميز حضور العناصر المختلفة من حزب اللَّه في الميادين المختلفة، ويجب على الأجهزة التنفيذية بما فيها القضائية والحكومية أن تعمل بأسلوب علمي على ترسيخ هذه القيم لدى المسؤولين والعناصر التنفيذية فيها. الجهاز الإداري السالم يمكن أن يقدّم نتائج أكبر.

فيمكن أن يكون جهازنا الإداري سالماً عندما تكون العناصر المؤمنة المخلصة وبعبارة أدق )الحزب اللهية( ذات تأثير فيه، وعندما يتصدى للأمور مدراء ومسؤولون ومتخصصون جيدون. فلا ينبغي أن نتبع النظريات التي كان أعداؤنا يطرحونها في السنوات الماضية أعني التفكيك بين العناصر المؤمنة والكوادر المتخصصة )ولا أزال أتذكر أولئك الذين كانوا يطرحون هذه النظريات(. لقد كان هناك بحث منحرف عن من يتصدى لمقاليد الأمور، المؤمنون أم المتخصصون؟ )وكأنه يوجد هناك تضاد بين المؤمن والمتخصص(.

العناصر المؤمنة اليوم وبعد مضي ثلاث عشرة سنة موجودة  بحمد اللَّه  على كافة مستويات الثورة، على مستوى اتخاذ القرار...






 

الدرس الرابع والعشرون : العدو يشن غارة ثقافية

العدو يحاول أن يخطف شبابنا بإشاعته الثقافة الخاطئة والفساد والفحشاء، العمل الذي يقوم به الأعداء من الناحية الثقافية ليس هجوماً ثقافياً فحسب بل غارة ثقافية وحرب إبادة ثقافية. العدو مشغول هذه الأيام بالعمل ضدنا هكذا، من الذي يستطيع الدفاع عن هذه الفضائل؟ ليس سوى ذلك الشاب المؤمن الذي لم يركن إلى الدنيا والمصالح الشخصية. ذاك هو الذي يتمكن من الصمود والدفاع عن الفضائل، الشخص الذي تلوَّثت نفسه وانشغلت كثيراً لا يستطيع أن يدافع عن الفضيلة. الشاب المؤمن المخلص هو الذي يتمكَّن من الدفاع عن الثورة والإسلام والفضائل والقيم الإسلامية.

ولذا قلت سابقاً إن على الجميع أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، والان أكرر ذلك وأقول: انهوا عن المنكر فهو أحد الواجبات. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأيام هو مسؤوليتكم الشرعية ومسؤوليتكم الثورية والسياسية أيضاً.

يكتب البعض رسالة لي وبعضهم يتصل بي تلفونياً فيقولون: نحن ننهى عن المنكر ولكن الجهات الرسمية لا تؤيدنا بل تكون إلى جانب الطرف المقابل.

وأنا أؤكد إن الجهات الرسمية سواء كانت من قوات الشرطة المحلية أو القضائية ليس لهم الحق في الدفاع عن المجرم، يجب أن يساندوا الامر بالمعروف والناهي عن المنكر، فهذه وظيفة. لو كان رجلي يصلي واخر يهجم على المصلي، فيجب أن تدافع أجهزتنا عن أي منهما؟ عن المصلي أو عن ذلك الشخص الذي يسحب السجادة من تحته؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هكذا أيضاً. فالأمر بالمعروف واجب كالصلاة.

يقول حضرة أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة في نهج البلاغة: «وما أعمال البر والجهاد في سبيل اللَّه عند الامر بالمعروف والنهاهي عن المنكر إلاَّ كنفثة في بحر لجّي» بمعنى إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المقياس الواسع والعام يكون حتى أهم من الجهاد. أساس الدين يصير قوياً محكماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعليهما يستند ويقوم الجهاد.

فهل يستطيع مسؤولونا أن يعتبروا الامر بالمعروف والناهي عن المنكر سواء مع الاخرين فضلاً عن أن يفضلوا الطرف المقابل عليه؟! بالطبع يجب أن يحذر الشباب الحزب اللهي ويفتح عينيه لئلاَّ يتمكن شخص من خرق صفوف حزب اللَّه ويعيث الفساد تحت غطاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيشوّه صورة حزب اللَّه. يجب أن تكونوا على حذر هذا الأمر في عهدتكم.

أنا على يقين وتجارب السنوات السابقة تؤيد هذا المطلب وهو أنه عندما ينزل حزب اللَّه إلى الساحة لإنجاز مهمة ما فإن بعض العناصر الخبيثة والمشبوهة يعيثون باسمهم الفساد في أحد النواحي حتى يشوّهوا صورة القوات المؤمنة الحزب اللهيَّة الشعبية في أذهان المسؤولين ويسيئوا إليها.






 

الدرس الخامس والعشرون : كيف يتم الأمر بالمعروف‏

مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل مسألة الصلاة، يجب أن يتم تعلمها؛ ويجب أن تذهبوا وتتعلموا مسائلها. توجد مسائل تحدد كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مورد من الموارد.

بالطبع أنا أؤكد كالسابق إن تكليف عامة الناس في إطار المجتمع الإسلامي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بواسطة اللسان، وأما إذا ال الأمر إلى المواجهات فيوكل الأمر حينئذٍ إلى المسؤولين الذين يجب عليهم التدخل وإنجاز ذلك العمل. ولا شك في أن الدور الأهم للإنسان الذي يصلح المجتمع هو النهي عن المنكر باللسان. إذا نهى الناس شخصاً مسيئاً مذنباً يريد أن يجعل من الذنب شيئاً مرضياً به في المجتمع إذا نهاه عشرة أو مائة أو ألف شخص وبشكل عام إذا انهال عليه الرأي العام للمجتمع فإن هذا الأمر يؤدي إلى منعه.

لو لم تكن هذه القوات المؤمنة من التعبئة و)حزب اللَّه( أي عامة الناس المؤمنين، تلك الغالبية العظمى في بلادنا العزيزة التي أدارت الحرب والتي صمدت بوجه كل الأحداث منذ بداية الثورة إلى الان. ولو لم تكن التعبئة ولا قوات حزب اللَّه العظيمة لكنَّا خسرنا الحرب والمواجهة مع الأعداء المتنوعين خلال السنوات الماضية ولكنا تضررنا كثيراً.

عندما كانوا يريدون تعطيل المصانع كانت تتصدى لهم قوات )حزب اللَّه( من داخل المصانع. عندما كانوا يريدون إحراق مزارعنا تنبري لهم )قوات حزب اللَّه( من البراري والقرى والمزارع فتصفعهم على وجوههم.

وعندما كانوا يريدون خلق الفتن والاضطرابات في الشوارع )حزب اللَّه( هو الذي كان يحول دون غاياتهم، وأما في الحرب فأمرهم معلوم. هذه هي القوة الرئيسية في البلاد والنظام الإسلامي يعتمد عليها. إذا كان الشعب أعلن هذه القوى المؤمنة والحزب اللهية مع النظام والدولة  والحمد للَّه هم كذلك  فإن أي عدو لن يستطيع أن يحقق شيئاً. إذا كانت هذه القوة العظيمة الفولاذية الشعبيَّة خلف المسؤولين وإلى جوارهم  والحمد للَّه هم كذلك  فإن أية قدرة لن تستطيع أن تواجه الجمهورية الإسلامية، فأعداؤنا يخافون من هذه القوة.






 

الدرس السادس والعشرون : اقتدار الاسلامي مستمد من اقتدار (حزب الله)

خلال هذه الفترة شنَّت الأبواق الأمريكية والصهيونية حملة إعلامية عالمية يتهمون فيها الجمهورية الإسلامية بالنزعة العسكرية والطابع التسليحي، يقولون إن الجمهورية الإسلامية تصنع أسلحة الدمار الشامل والسلاح الذري، وقدجلبت رأساً نووياً من المكان الفلاني! هذه الأقاويل لو يتأمل فيها أي عاقل فسيدرك كذبها. هل يمكن نقل قنبلة نووية من بلد إلى اخر دون ضجة؟ إنهم يعلمون أنفسهم إن هذا كذب محض ولكن يشيعون الشائعات حتى يُظهِروا الجمهورية الإسلامية بشكل معارض للسلام والاستقرار في العالم.

هذه أحد المحاولات الخبيثة لأمريكا والصهيونية ضد الجمهورية الاسلامية. أنا أقول أنتم تخطئون إذا ظننتم ان قوة الجمهورية الاسلامية تكمن في استيرادها أو صناعتها لقنبلة نووية. فإن للدول العظمى المئات من هذه القنابل، لو استطاعت دولة أن تنتصر بالقنبلة النووية على الاخرين لكانت أمريكا والاتحاد السوفياتي السابق وبقية القوى الخبيثة في العالم قد محت الجمهورية الإسلامية من الوجود مائة مرة. ليست القنبلة النووية هي التي تكسب الأنظمة قوة. القوة في النظام الإسلامي والتي لم تستطع أمريكا والاتحاد السوفياتي السابق ولا بقية الدول العظمى والصغيرة في العالم أن تتغلب عليها هي القوة الإيمانية لقوات حزب اللَّه.

يجب أن تحفظ الجمهورية الإسلامية هذه القوة والقدرة العظيمة. أنتم أيها الشباب كونوا متواجدين في الساحة دائماً، يجب أن تُظهروا دائماً إن الجمهورية الاسلامية صلبة لا يمكن هزيمتها. القوة المؤمنة والتعبئة وقوات حزب اللَّه في أرجاء البلاد وكل أفراد الشعب يجب أن يصنعوا ما يقطع أمل أمريكا والصهاينة وسائر القوى المعادية عن الجمهورية الإسلامية بالكامل. فالثورة الإسلامية تعني إحياء الإسلام من جديد.

دنيا اليوم هي دنيا الدجل والقوة وإتباع الشهوات ودنيا تفضيل القيم المادية على القيم المعنوية. هكذا هي الدنيا ولا يختص الأمر بأيامنا هذه. فلقرون متمادية كانت المعنويات تتجه نحو الضعف والأفول. لقد سعى المستكبرون لمحو المعنوية. أصحاب القدرة وعبدة المال والأثرياء نسجوا نظام وبساطاً مادياً ترأسه قوة عظمى كأمريكا أكثر الجميع دجلاً ومكراً وأقلهم رعاية للفضائل الإنسانية ورحمة بالبشرية.

الثورة الإسلامية تعني بعث الإسلام من جديد وإحياء مبدأ «إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم» والثورة جاءت لتحطيم هذا الترتيب العالمي الخاطى‏ء وتنشى‏ء مكانه ترتيباً جديداً. لو كان الترتيب العالمي ترتيباً مادياً فلا ريب في مجي‏ء أفراد فاسدين، أتباع شهوات، ضالين وأشقياء مثل محمد رضا على رأس الأمور، وحينئذٍ ينبغي أن يكون شخص فاضل ومتنور مثل الإمام في السجن أو المنفى. فليس للإمام مكان في مجتمع بهذا الوضع. عندما تسود القوة والفساد والكذب والرذيلة فإن إنساناً فاضلاً وصادقاً ونيراً وعارفاً ومتوجهاً إلى اللَّه إما أن يكون في السجون أو في المقاصل والمجازر. وعندما يترأس الأمور شخص كالإمام فمعنى ذلك قلب الأوراق، وانزواء أتباع الشهوات وحب الدنيا والتعلق بها والفساد، ومعناه عودة التقوى والزهد والصفاء والنورانية والجهاد والحرص على الناس والرحمة والمروءة والأخوة والإيثار والصفح عن الاخرين.

عندما يحكم الإمام هذه الخصال والفضائل سوف تسود في المجتمع، وهذه القيم هي التي سوف تطرح للناس. إذا حافظتم على هذه القيم فسوف يبقى نظام الإمامة، وحينئذٍ لن يؤتى بأمثال الحسين بن علي عليه السلام إلى المذبحة.

ولكن كيف إذا تخلَّينا عن هذه الأمور؟ كيف إذا فقدنا الروحية؟ وكيف إذا انشغلنا بأمور الرفاهية الشخصيَّة بدلاً من التوجه إلى الوظيفة والتكليف والهدف الإلهي؟ كيف إذا أجبرنا الشباب )التعبوي( المؤمن والمخلص على الانزواء وهو لا يرد منَّا سوى تهيئة ساحة يجاهد بها في سبيل اللَّه، وسلَّطنا على الأمور أفراداً ذوي وقاحة وجشع، وطمَّاعين خبثاً؟ في هذه الحالة سيتبدل كل شي‏ء.

فلو كانت الفترة الفاصلة بين رحلة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وشهادة فلذة كبده في صدر الإسلام خمسين سنة فمن الممكن أن تكون هذه الفترة أقصر بكثير في زماننا هذا، وترتقي الفضائل وأصحاب الفضيلة على المقاصل بسرعة أكبر. يجب أن لا نسمح بوقوع أمر كهذا. يجب أن نواجه الانحراف الذي يمكن أن يفرضه أعداؤنا علينا.

هذا هو الاعتبار من عاشوراء. لا يختلط عليكم إعادة البناء مع الانحراف المادي، يجب أن لا نسمح بانزواء الروح الثورية وأبناء الثورة في المجتمع. فإن البعض أخطأوا في هذه المسائل.






 

الدرس السابع والعشرون : خصائص الثورة الحسينية

إن إحدى خصائص هذه الواقعة هي أن خروج الإمام الحسين عليه السلام كان خالصاً للَّه، ولإصلاح المجتمع الإسلامي، وهذه خصيصة هامة. فعندما يقول الإمام عليه السلام: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً» فمعناه إن ثورتي لم تكن للرياء والغرور وليست فيها ذرَّة من الظلم والفساد، بل «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي» أي أن هدفي هو الإصلاح فقط ولا غير.

إن القران الكريم حينما يخاطب المسلمين في صدر الإسلام يقول: «ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس»، وهنا الإمام‏عليه السلام يقول: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً». تأملوا جيداً، فهنا نهجان وخطان. فالقران يقول لا تكونوا مثل الذين خرجوا «بطراً» أي غروراً وتكبراً، ولا أثر للإخلاص في تحركهم، وإنما المطروح في هذا المنهج الفاسد هو «أنا» و«الذات»، و«رئاء الناس» أي انه تزين ولبس الحلي وامتطى جواداً غالياً وخرج من مكة وهو يرتجز، إلى أين؟ إلى الحرب، التي يهلك فيها أمثال هؤلاء أيضاً، فهذا خط.

وهناك خطة ونهج اخر ومثاله ثورة الإمام الحسين عليه السلام، والتي لا وجود لل«أنا» ولل«ذات» والمصالح الشخصية والقومية والحزبية فيها أبداً، إذاً هذه أول خصيصة من خصائص ثورة الحسين بن علي عليه السلام.

فكلما ازداد الاخلاص في أعمالنا لما ازدادت قيمتها، وكلما ابتعدنا عن الإخلاص كلما اقتربنا من الغرور والرياء والعمل للمصالح الشخصية والقومية، وكلما ازدادت الشوائب في الشي‏ء كلما أسرع في الفساد، فلو كان نقياً وخالصاً لما فسد أبداً.

وإن أردنا إعطاء مثال بالأمور المحسوسة، نقول: إذا كان الذهب خالصاً ونقياً فلا يقبل الفساد والصدأ أبداً، وإن كان مخلوطاً بالنحاس والحديد وبقية المواد الرخيصة الثمن، احتمل الفساد أكثر، فهذا في الماديات.

أما في المعنويات فإن هذه المعادلة أكثر دقة، إنما نحن لا نفهمها بسبب نظرتنا المادية، لكن يدركها أهل الفن والبصيرة، وان اللَّه تعالى هو الناقد في هذه الواقعة، «فإن الناقد بصير»، فوجود شائبة بمقدار رأس إبرة في العمل يقلل من قيمة العمل بالمقدار نفسه، وحركة الإمام الحسين عليه السلام من الأعمال التي ليست فيها شائبة ولو بمقدار رأس إبرة، لذا هو باقٍ إلى الان وسيبقى خالداً إلى الأبد. فمن توقع خلود اسم وذكر أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام وأنصاره في التاريخ؟ أولئك الذين قتلوا غرباء في تلك الصحراء وحيث دُفنوا فيها رغم كل الإعلام المعادي في ذلك الوقت، وكيف انهم أحرقوا المدينة بعد استشهاد هذا العظيم بسنة في واقعة الحرة، أي أنهم نتفوا الورود بعد أن خربوا الروضة، فمن توقَّع أن يفوح عطرها؟ وبأية قاعدة مادية يتصور بقاء وردة في هذه الروضة؟ لكن تلاحظون أنه كلما مرَّ الزمان عليها كلَّما أصبحت تلك الروضة أكثر عطراً.

فهناك أناسٌ لا يعتقدون بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم الذي هو جد الحسين عليه السلام والحسين سائر على نهجه، ولا يعتقدون بأبيه علي عليه السلام ولا يؤمنون بحرب الحسين عليه السلام، لكنهم يقبلون الحسين عليه السلام ويعظمونه، فهذا هو الخلوص، وهذه هي النكتة الأولى.

وفي ثورتنا العظيمة كان الإخلاص سبباً لبقائها، ذلك الجوهر الخالص الذي كان الإمام مظهره. ارجعوا إلى تلك الذكريات وتلك التضحيات في سوح الحرب، ذلك الحر المهلك في الصحارى والبراري، ذلك الشتاء القادرس في الجبال، ذلك الرعب والخوف والخطر المستمر في سوح القتال، تلك المحاصرة، قلة القوات التي كنا نتحمس كثيراً لإعداد عدد قليل منها، عدم امتلاك الأسلحة حيث كنا نركض وراء مسدس أو قذيفة. تذكروا كل هذا واستشعروا تلك الأيام، لتدركوا لماذا كانت كل هذه المؤامرات ضد الثورة؟ ولماذا تستمر إلى الان؟ لكن بقيت هذه الشجرة راسخة.

إن هذا الجوهر )الإخلاص( هو الذي حفظها، إن إخلاص الإمام‏قدس سره والشعب خاصة إخلاص أولئك المقاتلين في سوح القتال  وأنتم من أفضلهم وأمثلهم  هو الذي حفظ الثورة ودعم استمرارها، إذاً هذه نكتة يجب الاهتمام بها دائماً، وأنا أحوج من غيري إلى هذا الاهتمام.

إن النكتة الأخرى في ثورة الحسين عليه السلام  وهي مهمة أيضاً  وهذه النكتة وإن كانت ترجع إلى قوة الإخلاص، لكنها في نفسها مهمة نظراً لوضعنا اليوم، وهذه النكتة هي غربة الحسين عليه السلام، فلا يوجد في أية واقعة من الوقائع الدامية في صدر الإسلام غربة ووحدة كما في واقعة كربلاء، فمن رغب فليتأمل في تاريخ الإسلام. إنني أمعنت جيداً لم أجد واقعة كواقعة كربلاء. ففي حوادث صدر الإسلام وغزوات النبي صلى الله عليه و آله و سلم وحروب أمير المؤمنين عليه السلام كانت حكومة ودولة وجنود يشاركون في الحرب، ومن ورائهم أدعية الأمهات، امال الأخوات، تقدير الحضور وتشجيع القيادة العظيمة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أو لأمير المؤمنين‏عليه السلام، كانوا يضحّون بأنفسهم أمام النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وهذا ليس صعباً.

فكم من شبابنا قدَّموا أرواحهم لدى سماعهم نداءاً من الإمام، وكم منَّا من يأمل في إشارة من الولي الغائب عجل الله تعالى فرجه النضحي بأنفسنا. فعندما يرى الانسان القائد بعينه ويشاهد تقديره وثناء من خلفه ويعلم أنه يقاتل ليهزم العدو ويأمل بالنصر، فإنه يقاتل براحة أكبر، وهكذا حرب ليست صعبة، طبعاً هناك حوادث في التاريخ فيها الغربة نسبياً كحوادث أبناء الأئمة والحسينيون في عصر الأئمة عليهم السلام، لكن هؤلاء كانوا يعملون في ظل إمام كالإمام الصادق عليه السلام، والإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكالإمام الثامن عليه السلام، وقائدهم وسيدهم حاضر يسندهم ويتفقد عيالهم، فكان الإمام الصادق عليه السلام يأمرهم بقتال الحكام المفسدة ويقول: «وعليّ‏َ نفقة عياله» وكان المجتمع الشيعي ظهراً لهم، وبالنهاية كان لهم أمل خلف ساحات الحرب، لكن في واقعة كربلاء، فإن أس القضية ولب لباب الإسلام المقبول من الجميع أي الإمام الحسين عليه السلام في ميدان الحرب، ويعلم هو وأصحابه أنه سيستشهد ولا أمل له في أي أحد في هذا العالم الواسع وهو غريب ووحيد. ومن رجالات الإسلام ذلك اليوم من لا يغتم لقتل الحسين عليه السلام بل يعتبر وجوده مضراً بحاله، ومنهم من لا يبالي بالقضية وإن حزن لقتله عليه السلام (كعبد اللَّه بن جعفر وعبد اللَّه بن عباس وأمثالهم).

فلم يكن للإمام عليه السلام أدنى أمل بمن هم خارج ميدان القتال الملي‏ء بالمحن، فما كان موجوداً فهو في ميدان القتال فقط. والأمل مقتصر على هذا الجمع، والجمع مسلم للشهادة، وبعد الاستشهاد لا يقام لهم مجلس فاتحة حسب الموازين الظاهرية، فيزيد متسلّط على كل شي‏ء، وتُساق نسائهم أسارى ولا يُرحم أطفالهم، فلولا الايمان والإخلاص والنور الإلهي في قلب الحسين بن علي عليه السلام والذي بعث الحرارة في قلوب الصفوة المؤمنة حوله لما تحققت تلك الواقعة، فانظروا إلى عظمة هذه الواقعة.

الخصيصة الثانية لهذه الواقعة هي غربتها. لذا قلت مراراً انه يمكن مقارنة شهدائنا بشهداء بدر وحنين وأُحُد وشهداء صفين والجمل، بل شهدائنا أرفع منزلة من كثير من هؤلاء الشهداء، لكن لا يُقارن أحد بشهداء كربلاء، لا اليوم ولا في الماضي، لا في صدر الإسلام ولا أبداً إلى أن يشاء اللَّه. إن هؤلاء هم صفوة الشهداء، فلا نظير لعلي الأكبر ولحبيب بن مظاهر. فهذه واقعة كربلاء وهذه هي القاعدة الراسخة والمتينة التي حفظت الإسلام على مدى ألف وثلاثمائة وعدة سنوات رغم كل العداء له. فهل تتصورون ان الاسلام يبقى لولا تلك الشهادة وذلك اليوم وتلك الواقعة العظمى؟ بل تيقنوا بمحو الإسلام في اتون الأحداث، نعم قد يبقى العنوان كدين تاريخي مع عدد قليل من الأتباع في زاوية من زوايا العالم، وقد يبقى اسم وذكر للإسلام لكن تمحى حقيقته. انظروا إلى الإسلام في هذا العصر كيف أنه حي وبناء. وكيف تتفاءل الشعوب بأنواره الساطعة بعد (1400) سنة، وكل هذا من بركات واقعة كربلاء ومن استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وقد شاء اللَّه أن تكون الجمهورية الإسلامية أول تجربة لحاكمية القران بعد عهد الإمام الحسين عليه السلام، فكل عمل وجهد بعد تلك الواقعة كان مقدمة ليومكم هذا.

إن العلماء والمفكرين والفلاسفة والمتكلمين، وكل الجهود والمساعي، وحروب المسلمين مع الصليبيين، كلها حفظت الإسلام ومهَّدت الأجواء والظروف لانبثاق حكومة على أساس القيم الإلهية والقرانية، إن الحظ والقدر كان من نصيب الشعب الإيراني ليحمله الباري تعالى ولأول مرة هذه الرسالة  ولا نقصد من الحظ والقدر الصدفة ، فالباري تعالى لا يعطي هذا القدر الرفيع لأحد اعتباطاً، ان الشعب الايراني قد سعى كثيراً؛ حتى أنعم اللَّه عليه بهذه الحكومة.

إن التضحيات والمساعي والجهود الحثيثة لم تذهب هدراً. فلا يجلس المتقوّلون والسذَّج المساكين في زاوية من زوايا العالم ويتصورون انها حكومة إسلامية وقتيَّة وسوف تزول غداً. كلا، إن هذا الأصل وهذه القاعدة لن تنتهي أبداً، أنا وأنتم ننتهي، الناس لا يخلَّدون وأفضل الناس من يموت صالحاً، والبعض لا تكون عاقبته خيراً. فالناس معرَّضون للافات والخسران، لكن الأصل والأساس باقٍ وخالد. إن هذه الحركة الإسلامية وتجدد الحياة الإسلامية لها جذور في قرون متمادية، جذور في عشرة قرون من السعي والجهاد، انها تعتمد على الإسلام، ولذا تشاهدون ميل الناس نحو الإسلام في العالم أكثر خلال (10  5) سنوات الماضية، برغم شدة الحملات الدعائية المضادة الصهيونية والاستكبارية؛ لتشويه صورة النظام الإسلامي أكثر من أي وقت مضى. فانظروا الى الدول الاسلامية والى الأقليَّات المسلمة في الدول غير الإسلامية، وانظروا الى مضايقات الاستكبار التي يمارسها ضدهم، انها ليست اعتباطية وعفوية، فلو كان المسلمون ك«الميت بين يدي الغسال» لما كانت أية مضايقات.

فما أريد قوله هو أن عنصر الغربة في هذه الثورة جعلها شبيهة بثورة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، فلا تستوحشوا هذه الغربة، فقد بلغ الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه  الذين نلطم على صدورنا ونبكي لأجهلم ونحبهم أكثر من أبنائنا  قمة الغربة، وكانت نتيجة بقاء وحيوية الاسلام الى اليوم. إذاً واقعة كربلاء حيَّة وباقية ليس في مجرد قطعة أرض صغيرة فقد وانما في منطقة مترامية الأطراف في محيط الحياة البشرية.

إن كربلاء موجودة في كل شي‏ء؛ في الأدب، في الثقافة، في السنن والاثار، في الاعتقادات، في القلوب.

فاليوم أنتم غرباء في العالم، والشعب الايراني غريب ومظلوم، وليست الغربة والمظلومية بمعنى الضعف، فنحن اليوم أقوياء جداً، وأقول بكل جرأة: انه لا يوجد اليوم شعب مسلم بقوة واقتدار الشعب الايراني. فإيران حكومة وشعباً هما في ذروة القوة والاقتدار، والقوى العظمى تنظر باهتمام بالغ إلى حكومتنا، فشعبنا وحكومتنا هما أقوياء وسيدا أمورهما، ولكن في الوقت ذاته غرباء ومظلومين، نحن اليوم غرباء في العالم، فلا أحد يساندنا، وهذا ليس بمعنى أن جميع القوات تقف ضدنا وتحاربنا، كلا، فلا يفرح الأعداء بتصور أن جميع القوى مخالفة لنا، طبعاً  وإن كانت هكذا  فلا نبالي نحن بذلك لأننا امتحنَّا ذلك أيضاً، بل الأمر اليوم ليس كذلك، فالكثير من الدول في العالم تشعر أن صلاحها وفلاحها في الدنيا يكمن في تحاشي مجابهة الشعب الايراني، لكن لا يساندنا ولا يدعمنا أحد. فأعتى القوى المستكبرة في العالم تعادي شعبنا وتتعامى عن حقه، وتوجه إليه سهام حقدها واتهامها وتتناسى وتنكر حسناته وفضائله وتقوم بتضخيم نقاط ضعفه، فغربة ومظلومية الشعب الايراني يجب أن تقويكم أكثر، وإنني أقول انها نعمة إلهية.

إننا لو كنا مثل ذلك البلد الثوري  اصطلاحاً  في العهد السابق واليوم لا خبر عنه  الذي كان تحت قوة مستكبرة  كالاتحاد السوفياتي السابق  لفسد الشعب وفسدت الحكومة، فإن ترون سلامة وصلاح الشعب والحكومة فلأننا اعتمدنا على أنفسنا، وهذا ليس بمعنى عدم وجود فساد بين الشعب أو المسؤولين، بل يوجد، لكن التركيبة الأصلية والنقاط الرئيسية والأعضاء الحسَّاسة سالمة وهذه نعمة كبرى، ومن بركات بقائنا مستقلين ولم نتوكل على غير اللَّه. فقد ورد في الدعاء «يا ملجأ من لا ملجأ له، يا عون من لا عون له، يا حصن من لاحصن له» فكم يكون عذباً وجميلاً أن لا يجد الانسان ناصراً ومعيناً ليقول «يا عون من لا عون له».

واليوم فإن هذا الشعب لا يعلق ولا بصيصاً من أمل على القوى والحكومات والأجهزة المخابراتية والعسكرية والسياسية والمنظمات الدولية، فلم ير منهم سوى السوء واللدغ، بل يمكنه التكلم مع الباري تعالى ومولاه وعزيزه وحبيبه بصدق وصفاء ويقول: «يا رجاء من لا رجاء له»، وهذا هو الذي يشحن شعبنا بالقوة والاقتدار. وقد كان الإمام هكذا، ذلك الرجل الصلب الذي اتَّحد الغرب والشرق ضده لكنه لم يهتم لذلك، فقد كان يذرف الدموع أمام اللَّه المتعال في منتصف الليل بحيث كان بعض المقربين منه ينقل لي انذاك انه عندما كان يبكي الإمام في منتصف الليل، لم يكن المنديل كافياً ليمسح دموعه، بل كان يستفيد من المنشفة، فقوته من تلك القوة. فنمُّو في نفوسكم هذه القوة ليصون الشعب نفسه من الضرر ويحصّن الثورة ويزيد من بأسها وصلابتها.

طبعاً العدو لن يسكت وسيحاول حياكة المؤامرات، واليوم لا يتفوه بشي‏ء، بل يأتي بالأساليب والابتس.ام للعناصر الذليلة والضعيفة، لينسى هؤلاء صمود ومقاومة هذا النظام للقوى الاستكبارية.

إذاً هنا صفان؛ صف الإسلام والقران والقيم الإلهية والمعنوية وقمتها الجمهورية الإسلامية والمسؤولون في هذا النظام الذين تحمَّلوا هذا العب‏ء الثقيل بفخر واعتزاز دون أي خوف أو اكتراث. والصف الاخر؛ هو لجميع الشياطين والرذائل والخبائث في العالم. فمن يملك بياناً، أو قوة مبتكرة، أو طاقة، فليعلم أين يصرفها، فإن عمد أحد في جبهة الحق أو من خارجها إلى محاربة هذه الجبهة )الحق(  التي تحارب اليوم ضد الباطل والرذائل  لا لشي‏ء سوى لعدم التوجه إلى تلك النكتة أو صدور خطأ أو اشتباه أو حتى ارتكاب ذنب، فهل هذا محق في عمله؟ أليس هذا تضييع للقدرة الإلهية، وكفران بالنعمة؟ ألا يلازم من يضعف جبهة الحق والمسؤولين ورئيس الجمهورية، والقوة القضائية والمجلس، تحت طائلة أن المحكمة الفلانية أو القاضي الفلاني أصدر حكماً خطأ، أو أن المسؤول الفلاني ارتكب خلافاً؟ ألس هذا كفران بالنعمة بأن يصرف أولئك كل طاقاتهم وقواهم لمحاربة جبهة الحق بدل من صرفها في مواجهة الباطل؟ ألا يستحق هؤلاء اللوم الإلهي؟ فيجب أن يكون الشعب يقظاً ولا يشتبه بين الحق والباطل.






 

الدرس الثامن والعشرون : الإعراض عن المغريات وخلوص النية

يجب أن أشير إلى أولئك الذين أعرضوا عن المغريات التي تستهوي الشباب في هذا العالم المادي، وارتدوا ثوب العفاف والتقوى واستلهموا المعنويات ونزلوا إلى الساحة في سبيل اللَّه وضحُّوا بكل ما كان ينبغي لهم التضحية به من أنفس وسلامة، وحضور بين أفراد الأسرة، وغير ذلك من نِعم اللَّه. ومع أن الكثير من أعضاء حرس الثورة والشباب الاخرين يتمتعون بالصحة والسلامة ولم يستشهدوا ولم يفقدوا سلامتهم، إلاَّ أنهم في حكم الشهداء لأنهم قدموا للثورة وللشعب ما كان يجب عليهم من مشاركة في الجبهة ونشاط في الساحة السياسية. ولا شك في  أنهم ساروا على تلك الخطى نفسها؛ إذأنهم عرفوا الفرصة المناسبة وتوكلوا على ربهم وأخلصوا في نياتهم.

شهداؤنا الأكابر لم ينزلوا حينذاك إلى الساحة من أجل أن تذكر أسماؤهم في أجهزة الاعلام في بلدنا وفي هذا العالم، وإنما ذهبوا إلى الجبهة كأشخاص عاديين لأداء واجبهم، وحيثما شعروا أن الواجب يتطلب وجودهم هناك، ذهبوا إلى هناك، وهذا هو الاخلاص؛ ومثل هذا الاخلاص موجود اليوم لدى شعبنا وتتجسد أبهى وأكمل مظاهره لدى الشباب المؤمنين الذين تمثل قوات حرس الثورة أفضلهم وأبرزهم.

كانت هنا منذ اليوم الأول عناصر تعارض استقلال هذا البلد، وتعارض هذه الثورة، وترفض الانعتاق من سيطرة الاستكبار، وترفض السير على نهج الاسلام، وتعارض عفاف النساء والرجال، وتعارض النزاهة الأخلاقية للشباب، ويستهويها فساد الثقافات الأجنبية، وتعارض وجود حرس الثورة. وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل ان هذه المعارضة كانت موجودة منذ اليوم الأول، ويوجد اليوم أيضاً من يحمل هذه الخصائص على نحو أو اخر، مع مرور الزمان ومع ما يطرأ على أوضاع العالم من تغيرات؛ فتراهم اليوم يعارضون وجود حرس الثورة وما يتصف به من تدين وما يحرزه من نجاحات أيضاً، وهذا أمر بديهي لا نتوقع منهم غيره، ولكن المهم هو أن الكلمة إذا كانت كلمة إلهية طيبة لا تأثير حينذاك للمعارضة أو التأييد.

إذا كان الأساس سليماً  وهو سليم والحمد للَّه  وإذا كان السبيل واضحاً  وهو واضح طبعاً  وإذا كان الأفراد يتصفون بالايمان والاخلاص  وهما صفتان متوفرتان فيكم  لا أهمية عند ذاك لأقاويل ولظنون الاخرين. والسائر حينما يبدأ مسيرته على طريق طويل فإن أهم ما يستلزمه هو الإرادة والعزم على بلوغ غايته، فإذا ما توفَّرت لديه الإرادة والعزم فإنه يتحرك نحو غايته ويبلغها على الرغم من التصورات والظنون التي تشكك في مقدرته وفي صحة مسيرته.






 

الدرس التاسع والعشرون : أساليب الاستكبار تحبطها يقظة الشعب‏

إن الاستكبار إذا أراد نشب مخالبه في أي موضع من العالم فإنه يستخدم لهذه الغاية ثلاثة أساليب، إلاَّ أن أياً منها لم يجده نفعاً حتى الان، وتلك الأساليب الثلاثة هي: المال والترهيب والاعلام؛ فهو يغري الناس بالأموال ويشتري ضمائرهم؛ وليس المراد بعنصر المال أنه يتدخل في اقتصاد البلاد، فما من بلد يستطيع ترك تأثير بالغ على اقتصاد بلد اخر على المدى البعيد فيما إذا كان الشعب في ذلك البلد واعياً. قد يستطيع ايجاد خلل أو بلبلة في اقتصاده، ويؤثر على أسعار النفط مثلاً ويخفض عائدات ذلك البلد إلى النصف، مثلما فعلوا ببلدنا حالياً.

وأشير هنا إلى أن البعض يسعى لتضخيم الحالة الاقتصادية التي يمرّ بها بلدنا في الوقت الحاضر ويحاول اثارة ضجة حولها. والحقيقة هي أنه ليست هناك قضية ذات أهمية، فهل نحن شعب لم يواجه أزمة اقتصادية؟ ألم نجابه نقصاً في العائدات المالية والنفطية وغيرها على مدى عشرين سنة مضت؟

لقد واجهنا هذه الحالة في الماضي، وكانت العائدات تنخفض حيناً وترتفع حيناً اخر، إلاَّ أن المسؤولين الحريصين كانوا يجتازون تلك الأزمات بمعاضدة أبناء الشعب وبصبر الجماهير المؤمنة، وسيجتازون أيضاً العقبة التي تواجههم اليوم، ولكن الاعلام المعادي يحاول الايحاء إلى أن الشعب الايراني يجب أن يقيم ماتم الحزن لأن عائدات النفط قد انخفضت. إذن فالشعب إذا كان حياً ويقظاً وناهضاً ومتحداً ويساند مسؤوليه ويثق بالمتصدين لادارة دفة الأمور لا يمكن للأعداء أن يؤثروا حينها في اقتصاد البلاد تأثيراً طويل المدى، أو أن يوجهوا أية ضربة له. والشعب الحي يصدّ الضربة الاقتصادية مثلما يصدّ ضربة السيف ويدرؤها ولا يبقي لها أثراً.

1  الأسلوب المالي  كما أشرت  يعني تقديم الرشوة وشراء ذمم ذوي النفوس الضعيفة، والاستكبار العالمي يستعبد بالأموال الطماعين؛ وهذه الظاهرة متفشية في عالم اليوم، إذ أن الاستكبار بعدما يكتشف ذوي النفوس الضعيفة يجود عليهم بالأموال ليستعبدهم، وقد ألحق هذا الضرر بالكثير من دول العالم عبر شراء ذمم الطماعين من عبيد المال والبطن، واستعبدوهم بهذا المتاع القليل.

2  الأسلوب الاخر هو الأسلوب العسكري الذي يتخذ كأداة للترهيب؛ فحيثما يثور جدل بين جانبين في بقعة من بقاع العالم، تنطلق الأساطيل الأمريكية إلى هناك وتبدأ بإطلاق التهديدات؛ فالأساطيل الأمريكية تمخر عباب الخليج الفارسي منذ سنوات طويلة، فهل بعث وجودها هنا الخوف في نفوس بعض أفراد الشعب الايراني؟ أو اضطر البعض الاخر إلى التخفي؟ أو تراجع بعض المسؤولين في البلد عن مواقفهم السابقة خوفاً من الأساطيل الأمريكية؟ كلا، فالشعوب الحريصة لا تخاف، والشعب المؤمن لا يخاف، والقلب المملوء بالايمان لا يبالي بمثل هذه التهديدات؛ وهذه الأساطيل بما تستبطنه من تهديدات إنما تثير الفزع لدى الجبناء الذين لا إيمان لهم.

3  أما الأسلوب الثالث، فهو الإعلام الذين يحاولون من خلاله قلب الحقائق وخداع الشعوب، إن أول عمل يمارسه الإعلام ضد الدول هو التشكيك في مصداقية المراكز الحقيقية للصدق والصفاء فيها؛ فيشكك في طبيعة عمل أجهزة الإعلام الصادقة، ويثير الشكوك حول شخصيات الناس المؤمنين، ويكيل التهم لهذا وذاك، ويخلق التردد في قلوب الناس، ويحرف العقول ويقلب الحقائق. والاستكبار يتعامل اليوم مع العالم بواسطة هذه الأساليب الثلاث.

ولكن ما هو العلاج الكفيل بمكافحة هذه الأساليب الثلاثة؟ فكّروا وانظروا ما هو العلاج الكفيل بمكافحة عنصر الإغراء بالمال الذي يستعبد به الناس؟ وكيف يمكن مجابهة أسلوب التهديد العسكري الذي يثير الرعب في قلوب الناس؟ وماذا يجب العمل في مواجهة الأسلوب الإعلامي الذي يعتمد الخداع كأداة لعمله؟ إن الكفيل بمكافحة هذه الأساليب هو الإيمان المقرون بالبصيرة، وهذه الصفة كانت ولا زالت موجودة لدى شعبنا منذ أول الثورة؛ وهي الصفة التي تتميز بها قوات التعبئة أيضاً. فإيران الإسلامية معضلة الاستكبار الكبرى.

القضية الكبرى التي تحققت على يد شعبنا بفضل الإسلام هي استطاعته إلحاق الهزيمة بأسطورة التسلط الأجنبي والتسلط الأمريكي الذي لا يعرف الهزيمة؛ فهنالك بلدان تئن تحت وطأة التسلط الأمريكي، لكنها غير قادرة على وضع حد له. لا تتصوروا أن جميع البلدان الخاضعة للتسلط الأمريكي تشعر شعوبها بل وحتى حكوماتها بالارتياح؛ من الطبيعي أن البعض يشعر بالارتياح لوجود مثل هذا التسلط لأن لهم مصالحهم فيه ويتقاضون رشوة لقاء وجوده، إلاَّ أن الكثيرين منهم مستاؤون منه، ولكن ليس باستطاعتهم إزاحة كابوس التسلط الأمريكي الجاثم على صدورهم، إلاَّ أن هذا الشعب استطاع كسر هذا الطلسم كلياً وبتر يد الأعداء.

إن لإيران موقعاً حساساً وأرضها مليئة بالثروات، وذات ثروة ثقافية غنية، وذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية؛ ولهذا السبب لا يهون عليهم التخلي عنها بهذه السهولة، وهم في سعي دائم للعودة إليها وبسط نفوذهم عليها من جديد والاستيلاء على ثرواتها ونهبها، وسخَّروا لأجل هذه الغاية أساليبهم الثلاثة: المال، والقوة العسكرية، والإعلام، إلاَّ أن شعبنا واقف لهم بالمرصاد، وكذلك قوات التعبئة وكل القوى المؤمنة المسؤولين كافة والدولة صامدة أمامهم. فهل يمكن لأحد أن يتجرأ اليوم على القيام بعمل يتعارض مع توجهات هذا الشعب الذي يريد الإسلام ويعادي من ينهاض الإسلام؟!

لقد أدرك جميع أبناء شعبنا شباباً وشيوخاً وطلبة وعلماء وصغاراً وكباراً وبمختلف شرائحهم  إلاَّ من شَذَّ وندر منهم ممن تعلَّق بمغريات وزخرف الغرب  أن سعادتهم تكمن في فهم الاسلام بوعي وبصيرة واتخاذه نهجاً للحياة لكي يتسنى لهم درء مخاطر الأعداء، وهذه هي حقيقة التعبئة الجماهيرية وهذه هي فكرة جيش العشرين مليوناً التي طرحها الإمام الراحل.

اعلموا أن معضلة وجود ايران الاسلامية لم ولن تحل بالنسبة للاستكبار العالمي وبالنسبة لأمريكا؛ أما الدعايات التي تثيرها بعض الصحف هنا وهناك وبأساليب مختلفة فلا تمثل ملاكاً للحقيقة، ولا تعدو الأساليب الثلاثة التي ذكرناها انفاً؛ وهذا هو السبب الذي يدعوهم لشن هذه الدعايات، وهي دعايات يروّجها البعض ويهدف من ورائها حثّ الشعب على الارتماء في قيود الذل والتبعية. فهل هنالك ما هو اكثر بلاهة من هذا؟! فهل هنالك شعب أو إنسان عاقل يدعو إلى الخضوع والانقياد لدولة استكبارية ظالمة والى الانضواء تحت سلطتها؟! توجد بطبيعة الحال فئات سياسية تطرح اراء تستهدف من ورائها تحقيق مارب سياسية، فيما يردد اخرون كالببغاوات اراءهم؛ وهذا لا يعبّر  طبعاً  عن رأي جماعة مدركة وسالمة وقوية.

إن استقلال هذا البلد اليوم رهين بالتمسك بالإسلام والعمل به وبوحدة الكلمة وبمعرفة العدو؛ وعدو إيران اليوم هو الاستكبار وعلى رأسه أمريكا؛ وهذا هو سبيل سعادة هذا الشعب، وسيمضي الشعب على سبيل سعادته هذا. والكل ملزمون بتشخيص متطلبات هذا العصر والرد عليها، والمجال مفسوح أمام قوى التعبئة الجماهيرية لأخذ كسب السبق في شتَّى الميادين الفكرية والثقافية والعلمية والفنية، لأنها قوى شابة ونشطة ومنطلقة من صميم الشعب.

يجب على كل القوى المؤمنة التوكل على اللَّه والثقة به، واتّباع السبيل الواضح النيّر الذي اختطَّه الإمام الخميني أمام هذا الشعب، وسيبارك اللَّه لهم في مساعيهم ويعينهم وينصرهم ويمكّنهم من بلوغ أهدافهم النبيلة، ويبعث البهجة والرضا عنهم في القلب المقدَّس لولي العصر )أرواحنا فداه).






 

الدرس الثلاثون : تأثيرات وبركات عاشوراء

رغم كثرة الكلام حول الفوائد القيّمة لشهر محرم ويوم عاشوراء واثار هذه الظاهرة العظيمة، لكن كلَّما مرَّ زمان عليها كلَّما تجلَّت الصورة الخالدة لهذه الشمس النيّرة أكثر  والتي يمكن أن نُطلق عليها شمس الشهادة، شمس مظلومية وغربة الجهاد والتي توقّدت بواسطة الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه ، وعُرفت بركات عاشوراء أكثر. فقد ظهرت الاثار العميقة والأساسية لهذه الحادثة تدريجياً منذ اليوم الأول لوقوعها، فعرف البعض بوظائفه منذ تلك الأيام، فقامت حركة التوَّابين، ووقعت حوادث الجهاد الطويل لبني هاشم وبني الحسن عليهم السلام، حتى  أن ثورة العباسيين  الذين ثاروا ضد بني أمية في أواسط القرن الثاني للهجرة، وأرسلوا الدعاة إلى أطراف العالم الإسلامي انذاك خصوصاً إلى المناطق الشرقية من إيران كخراسان والتي نجحت في القضاء على الحكومة الأموية الظالمة والمستكبرة والعنصرية  قد بدأت باسم الحسين بن علي عليه السلام. فلو طالعتم التاريخ للاحظتم أنّ‏َ دعاة بني العباس عندما كانوا ينتشرون في أطراف العالم الإسلامي، كانوا يتَّخذون من دم الحسين بن علي عليه السلام واستشهاده ومن الانتقام لدم ابن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وبضعة الزهراء عليها السلام وسيلة لتنظيم حملاتهم الإعلامية، حتى أنّ‏َ السواد الذي أصبح شعاراً ولباساً رسمياً لبني العباس طوال خمسمائة عامٍ من حكمهم، قد انتخب كلباس حداد على الإمام الحسين عليه السلام، حيث كانوا يقولون: هذا حداد ال محمد صلى الله عليه و آله و سلم. هكذا بدأ العباسيون ثورتهم وأوجدوا هذا التغيير، وإن كانوا قد انحرفوا وانتهجوا نفس سياسة بني أمية بعد ذلك.

إذن هذه من تأثيرات عاشوراء، وهكذا كانت على طول الزمان. وما وقع في عصرنا  أي عصر سيطرة الظلم والكفر والإلحاد على العالم أجمع، عصر أصبحت العدالة فيه مخالفة للقانون، والظلم قانوناً على الصعيد العالمي  كان أعظم من كل تلك الأحداث؛ فما ترونه من تجبّر القوى الكبرى ورغبتهم في إيجاد نظام عالمي جديد هي عين ذلك الظلم، وما يقع في العالم من الظلم وسحق الحقوق وازدواجية التعامل كلها نتيجة لهذه الأسماء القانونية كالدفاع عن حقوق الإنسان. وهذا أسوأ أنواع طغيان الظلم، أي سيطرة الظلم على العالم باسم العدالة والحق. ففي مثل هذا العصر خُرِقت حُجب الظلام وتجلَّت شمس الحقيقة ووصل الحق إلى الحكم، وأعلن الإسلام الحقيقي والأصيل تواجده وأجبر العالم على قبول تواجده في شكل نظام إسلامي بعد أن كانت الأيادي كلَّها تسعى لإبعاده عن الساحة. كل هذا كان من بركات عاشوراء مثلما أنّ‏َ الثورة قد بدأت ببركة عاشوراء. لقد استطاع إمامنا العظيم قدس سره  وبالاستعانة بشهر محرم وحادثة عاشوراء  أن يوصل نداء الحق النابع من قلبه إلى أسماع الناس ويغيّرهم. وشهداؤنا  تلك الأيام  كانوا من معزّي الحسين عليه السلام، فأول الشهداء في حادثة 15 خرداد كانوا من الذين تعرَّضوا لهجوم أعداء عاشوراء، وقد شاهدتم في عام 1357ه.ش (1978م( كيف استفاد إمامنا العظيم واستخلص الدروس من محرم، وطرح قضية انتصار الدم على السيف، وحقَّق ما أراده، أي تلقَّى الشعب الايراني باتّباعه للحسين بن علي عليه السلام الدرس من عاشوراء فانتصر الدم على السيف.






 

الدرس الحادي والثلاثون : العاطفة الانسانية وفاجعة كربلاء

إن من أهم ميزات المجتمع الشيعي دون غيره من الأخوة المسلمين هو امتلاكه لذكرى عاشوراء وفاجعة كربلاء الأليمة. ومنذ اليوم الذي أُقيمت فيه مجالس العزاء التي تُذكر فيها المصائب التي جرت على أبي عبد اللَّه عليه السلام وأهل بيته الأطهار، تدفّق نبع من المعنوية والمعارف الإسلامية في أذهان وقلوب محبّي أهل البيت عليهم السلام، وما زال ذلك النبع متدفّقاً إلى اليوم وسيبقى كذلك إلى ما شاء اللَّه. والمنشأ لكلّ هذا الخير والبركة هو التذكير المتواصل بيوم عاشوراء لكي تبقى ذكرى فاجعة كربلاء حيَّة في ضمير أبناء الأمة.

فذكرى عاشوراء ليست مجرّد ذكر لبعض الخواطر والذكريات والأحداث فقط. وإنما هي تبيان لحادثة في غاية الأهمية ولها عدد غير محدود من الأبعاد والجوانب التي تركت أعمق الاثار في حياة الأمة الإسلامية على مرّ التاريخ.

إذن، فالتذكير بهذه الفاجعة هو موضوع يمكن أن يتبلور عن كثير من الخيرات والبركات لأبناء هذه الأمة. لذا تلاحظون أن قضية البكاء والإبكاء على الإمام الحسين عليه السلام كانت تحتلّ مكانة متميزة في زمن الأئمة عليهم السلام.

فلا يتصوّر أحد أنه مع وجود المنطق والاستدلال، فما هي الحاجة للبكاء وما هي الحاجة للبحث في قضايا قديمة من هذا القبيل؟

إن هذا النوع من التفكير بيّن البطلان، لأن لكلّ من هذه الأمور دور في بناء شخصية الانسان وتكامله. فالعواطف لها دورها والمنطق والبرهان لهما دورهما المهم أيضاً. فالعاطفة لها دور في حلّ كثير من المشاكل والمعضلات التي يعجز المنطق والاستدلال عن حلّها.

ولذلك حينما نراجع تاريخ الأنبياء سوف نرى أنَّه في أوائل بعثهم كان يلتفّ حولهم أناس لم يكن المنطق والبرهان هما الدافع الأساسي لإيمانهم ولالتفافهم حول أولئك الأنبياء صلى الله عليه و آله و سلم.

فلا تجدون في تاريخ نبينا صلى الله عليه و آله و سلم  وهو تاريخ مدون وواضح  بأن رسول اجتمع في أول البعثة مع مجموعة من الكفَّار وبرهن لهم بالأدلة العقليَّة على وجود اللَّه ووحدانيته أو بطلان عبادة الأصنام  مثلاً . فالاستدلالات العقلية للنبي صلى الله عليه و آله و سلم جاءت بعد أن تقدمت الدعوة وانتشر أمرها. أما في المرحلة الأولى فقد كان عمل الدعوة يقوم على أساس كسب المشاعر والعواطف الصادقة لدى الناس.

ففي هذه المرحلة كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول للكفار: إن هذه الأصنام التي تعبدونها ما هي إلاَّ أحجار لا تضرّ ولا تنفع. من دون الحاجة إلى ذكر الدليل العقلي والمنطقي على بطلان عبادتهم لتلك الأصنام.

ولم يكن يستدل للناس بالأدلة العقلية والفلسفية على وجود اللَّه ووحدانيته، بل كان يكتفي بالقول: «قولوا لا إله إلاَّ اللَّه تفلحوا»، فلم يبرهن للناس عقلياً أو فلسفياً بأن الاعتقاد ب)لا إله إلاَّ اللَّه( يؤدي إلى فلاح الإنسان وسعادته، بل إن هذه العبادة تخاطب مشاعر الإنسان وأحاسيسه الصادقة.

طبعاً إن كل مشاعر وأحاسيس صادقة وسليمة تنطوي على برهان فلسفي واستدلال عقلي. لكن المسألة هي أن كل نبي عندما كان يريد البدء بالدعوة لم يكن يطرح الدليل العقلي والفلسفي من أجل هداية الناس، بل انه كان يبدأ بتحريك العواطف والأحاسيس الصادقة والسليمة التي تحمل المنطق والاستدلال في ذاتها. وهذه الأحاسيس والعواطف توجه أنظار الانسان إلى ما يعيشه المجتمع من ظلم واضطهاد وتمايز طبقي، وما يمارسه أنداد اللَّه من البشر )شياطين الأنس( من ضغط وإرهاب ضد أبناء ذلك المجتمع. أما طرح البراهين العقلية والمنطقية فكان يبدأ حينما تستقر الدعوة وتأخذ مجراها الطبيعي.

فمن كانت له القابلية العقلية والفكرية  في هذه المرحلة ، فسوف يستوعب بعض الاستدلالات العقلية والفلسفية الميسَّرة التي كان يطرحها النبي صلى الله عليه و آله و سلم. أما الذي لم يكن يمتلك تلك القابلية، فيبقى في المرحلة العقلية الابتدائية التي يعيشها.

طبعاً ليس شرطاً أن يكون الانسان الذي يمتلك قوة استدلال أكبر أعلى شأناً من غيره من الناحية المعنوية. فقد تكون عواطف بعض أصحاب المستوى الفكري المتواضع أصدق وأسلم، وارتباطهم وتعلقهم بالنبي وبمبدأ الغيب أقوى وحبهم أصدق وأعمق. وهذا من شأنه أن يكسبهم مكانة معنوية أعلى ومرتبة أسمى عند اللَّه سبحانه وتعالى. فلكل من العاطفة والاستدلال دوره ومكانته، فلا العاطفة تستطيع أن تحتل مكان الاستدلال العقلي، ولا الاستدلال بإمكانه احتلال مكان العاطفة.

وحادثة عاشوراء تنطوي في طبيعتها وذاتها على بحر زاخر من العواطف الصادقة. فهذه الفاجعة جاءت نتيجة لثورة إنسان عظيم ومعصوم، إنسان لا يمكن التشكيك بمقدار ذرة في شخصيته المتسامية، ويقرّ جميع المنصفين في العالم هدفه وهو )إنقاذ المجتمع من براثن الظلم والاستعباد(. وقد أعلن عن هذا الهدف.

وجهاد الغرباء من أشق وأصعب أشكال الجهاد في سبيل اللَّه. فالجميع يقف بوجه ذلك الانسان المجاهد ويعرض عنه حتى الأصدقاء.

حتى إن الإمام الحسين عليه السلام حينما دعا أحدهم إلى نصرته رفض نصرة ابن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وعرض فرسه على الحسين عليه السلام بدلاً من ذلك. فهل توجد غربة أعظم من هذه الغربة؟ وهل يوجد كفاح في الغربة أشق من هذا لكفاح؟

وفي خوضه لهذا الصراع رأى الإمام الحسين عليه السلام بأم عينيه مقتل أولاده وإخوانه، وأبناء اخوته، وأبناء عمومته، وجميع بني هاشم، حتى انه شاهد مقتل ولده الرضيع الذي كان له من العمر ستة أشهر فقط.

وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يعلم عليه السلام أنه بعد استشهاده سوف تقوم تلك الذئاب الكاسرة بالهجوم على عياله وأطفاله لإخافتهم وإرعابهم ونهب أموالهم وبالتالي أسرهم وتوجيه الإهانة لهم والاعتداء على بنت أمير المؤمنين عليه السلام  زينب الكبرى عليها السلام التي كانت من الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي.

وقدواصل أبو عبد اللَّه كفاحه المرير على الرغم من علمه بجميع تلك الأمور تفصيلاً. فلاحظوا كم كان ذلك الجهاد الذي خاضه أبو عبد اللَّه شاقاً ومريراً. وبالاضافة إلى ذلك فقد كان يعاني هو وأهل بيته وأصحابه من شدة العطش نتيجة لمنعهم من الوصول إلى ماء الفرات. فقد كان الأطفال والصبيان والشيوخ وحتى الأطفال الرضَّع يتلظون من شدة العطش! حيث لم يكونوا قد ذاقوا قطرة من الماء منذ مدة طويلة.

فلكم أن تتخيلوا الان كم كان شاقاً وعظيماً ذلك الجهاد الذي خاضه إمامنا الحسين‏عليه السلام.

فأي إنسان لا تهتز عواطفه من فاجعة استشهاد مثل هذا الانسان العظيم الطاهر المعصوم الذي كانت الملائكة تتسابق لرؤية وجهه المنير والذي كان يتمنى الأنبياء والأولياء أن يكونوا في منزلته؟

وأي إنسان حر يعرف مغزى تلك الفاجعة ويفهم أهدافها ثم لا يشعر بالارتباط القلبي والعاطفي معها؟

فهذا النبع المعنوي والعاطفي بدأ بالتدفق وما زال. ففي عصر يوم عاشوراء حينما وقفت زينب عليها السلام  على ما ورد في النقل  على التل الزينبي وخاطبت جدها رسول للَّه صلى الله عليه و آله و سلم قائلة: «يا رسول اللَّه صلى عليك مليك السماء هذا حسينك مرمَّل بالدماء مقطَّع الأعضاء مسلوب العمامة والرداء» وبدأت بقراءة عزاء الإمام الحسين عليه السلام بصوتٍ عالٍ. وبعد ذلك قامت بإفشاء ما أرادوا كتمانه من خلال خطبها وكلماتها الرنَّانة في كربلاء والكوفة والشام والمدينة المنورة. هذه هي فاجعة عاشوراء وهذه هي أبعادها وأهدافها.






 

الدرس الثاني والثلاثون : المجالس الحسينية والطريق الى شكر النعم‏

إن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن اللَّه سبحانه وتعالى سوف يسأل الإنسان يوم القيامة عن جميع النعم التي منّ‏َ بها عليه. وإن من أعظم النعم الإلهية علينا هي مجالس العزاء التي تقام إحياءً لذكرى فاجعة عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام.

وللأسف فإن إخواننا من المسلمين غير الشيعة قد حَرموا أنفسهم من هذه النعمة العظيمة التي بإمكانهم استثمارها إذا أرادوا. طبعاً هناك القليل منهم من يقيم مراسم العزاء لأبي عبد اللَّه عليه السلام لكنه ليس رائجاً عندهم كما هو رائج عند الشيعة بهذا الشكل الواسع الذي يعرفه الجميع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الفائدة التي يجب أن تجنى من هذه الذكرى ومن هذه المجالس؟ وما هو الطريق لشكر هذه النعمة؟ أما الجواب على هذه الأسئلة وأمثالها فهو ملقى على عاتقكم أنتم.

فهذه النعمة الكبيرة هي التي تربط القلوب بمنابع الايمان باللَّه وبالغيب مباشرة، وهي التي جعلت الحكام الطواغيت على طول التاريخ يرتجفون خوفاً وفزعاً من عاشوراء ومن قبر الامام الحسين عليه السلام. فقد بدأ هذا الخوف منذ زمن بني أمية وتواصل إلى يومنا هذا.

وقد شاهدتم نموذجاً لهذا الخوف والفزع في أثناء أحداث الثورة الاسلامية المباركة. فحينما حلّ‏َ شهر محرم  في أيام الثورة الاسلامية  لم يتمكن النظام الشاهنشاهي الرجعي الكافر والفاسد من القيام بأي عمل وشل عن الحركة تماماً.

وتشير التقارير المتبقية من زمن ذلك النظام المنحط بصراحة إلى أن النظام البهلوي ومع حلول شهر محرم الحرام قد فقد السيطرة على كل شي‏ء وفلت زمام المبادرة من يده في جميع أرجاء البلاد.

وقد عرف إمامنا الراحل قدس سره  ذلك الرجل الحكيم وصاحب النظرة الثاقبة  كيف يستغل أيام عاشوراء من أجل السعي الى تحقيق أهداف الإمام الحسين عليه السلام العظيمة. فقد أعلن قدس سره بأن محرم هو شهر انتصار الدم على السيف. وبهذا المنطق  ووبركة شهر محرم  انتصر الدم على السيف في إيران الاسلامية وكما خطط له الإمام الراحل‏قدس سره.

هذه إحدى النماذج التي شاهدتموها ولمستموها في أثناء أحداث ثورتنا الاسلامية المباركة.

إذن لا بد من استثمار هذه النعمة الإلهية بشكل كامل وبنَّاء من قِبَل العلماء وأبناء الشعب معاً. أما استثمار أبناء الشعب لهذه النعمة فيتمثل في إقامة مجالس العزاء وتوسيعها على أكبر نطاق ممكن والمشاركة الفعَّالة والجادة فيها.

ويجب أن تكون تلك المشاركة بقصد الاستفادة الحقيقية وليس مجرد إتلاف للوقت أو محاولة الحصول على الثواب الأخروي  بالشكل الذي يتصوره بعض السذَّج من الناس . فمن المؤكد أن المشاركة والحضور في هذه المجالس يستتبعه الثواب الأخروي. ولكن السؤال: ما هو السبب في الحصول على الثواب من خلال المشاركة في مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام؟

فمن المسلَّم أن هذا الثواب يتحصل نتيجة لسبب من الأسباب وما لم يتحقق ذلك السبب فإن الثواب سوف لا يحصل قطعاً. ولكن البعض يغفل  وللأسف  عن هذه النقطة ويعتبر أن مجرد الجلوس في المجالس الحسينية كافٍ في الحصول على الثواب الأخروي.

إذن يجب على أبناء الأمة معرفة القيمة الحقيقية والأهمية البالغة لتلك المجالس والمشاركة الجادَّة فيها وجعلها وسيلة لتعميق الارتباط القلبي والنفسي بينهم وبين الحسين عليه السلام وال النبي عليهم السلام واتخاذها  تلك المجالس  للوصل بينهم وبين روح الإسلام والقران.






 

الدرس الثالث والثلاثون : شروط إقامة مجالس العزاء ومميزاتها

هذا ما يتعلق بالناس حول الاستفادة من هذه المجالس، وأما ما يرتبط بعلماء الدين، فإن القضية أكثر تعقيداً، لأن مجالس العزاء تقوم على أساس اجتماع عدد من الناس ومشاركة أحد الخطباء الذي يتولى إقامة العزاء حتى يستفيد الاخرون. ولكن كيف يجب أن تقام مراسم العزاء؟ إنه سؤال موجه إلى جميع من يشعر بالمسؤولية في هذه القضية، وباعتقادي أن هذه المجالس يجب أن تتميز بثلاثة أمور:

الأمر الأول: هو تكريس محبة أهل البيت ومودتهم في القلوب؛ لأن الارتباط العاطفي ارتباط قيم ووثيق، وعليكم أن تعملوا في هذه المجالس على تكريس مودة الحسين بن علي  عليهما السلام  وأهل بيت النبوة في قلوب المشاركين وتوثيق ارتباطهم بمصادر المعرفة الإلهية أكثر فأكثر. وأما إذا وجدتم وضعاً في هذه المجالس لم يؤدي  لا سمح اللَّه  إلى تكريس مودة أهل البيت في قلوب المستمعين أو من هم خارج المجلس وإنما يؤدي  لا سمح اللَّه  إلى ابتعادهم واشمئزازهم من مجالس العزاء، فإن هذه المجالس تفقد عندئذٍ واحدة من أهم فوائدها وأهدافها، بل تصبح مضرة في بعض الأحيان. فانظروا ماذا ستفعلون أنتم الذين تؤسسون هذه المجالس وأنتم الذين تخطبون فيها حتى تتعزز العلاقة العاطفية للناس بالحسين بن علي  عليهما السلام  وأهل بيت النبوة يوماً بعد يوم نتيجة المشاركة في هذه المجالس.

الأمر الثاني: الذي يجب أن تتميز به المجالس الحسينية هو إعطاء صورة واضحة عن أهل قضية عاشوراء للناس وتبيانها لهم، وان مجالس العزاء على الحسين بن علي‏عليه السلام يجب أن لاتكون مجرد منبر لخطابات غير هادفة، لأن هناك في هذه المجالس أناساً يتميزون بالتفكر والتعقل والتأمل في الأمور وما أكثرهم في مجتمعنا ببركة الثورة الاسلامية سواء من الشباب والشيوخ والنساء والرجال الذين يتساءلون مع أنفسهم لماذا جئنا إلى هذا المجلس وبكينا على الحسين‏عليه السلام؟ ما هي أصل القضية؟ لماذا يجب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام؟ لماذا جاء الإمام الحسين إلى كربلاء وأوجد قضية عاشوراء؟ هذه الأسئلة يجب أن يجاب عنها في المجالس الحسينية حتى تتعزز معرفة المستمع بأصل قضية عاشوراء، وإذا لم تتطرقوا في منابركم وخطبكم ونعيكم إلى هذا المعنى ولو بالتنويه والإشارة، فإن هذه المجالس ستفقد ركناً من الأركان الثلاثة التي أشرت إليها، ومن الممكن أن لا تستحصل الفائدة المتوخاة من المجلس أو قد تؤدي  فرضاً  إلى الضرر لا سمح الله .

أما الأمر الثالث: الذي يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار في مجالس العزاء، فهو تكريس المعرفة الدينية والايمان الديني. إذ أنه لا بد من التحدث عن تعاليم الدين في هذه المجالس بشكل يعزز إيمان المستمع ومعرفته باللَّه سبحانه، ولا بد من الموعظة والتطرق إلى حديث شريف صحيح السند أو رواية تاريخية لاستخلاص العِبر منها، أو تفسير اية شريفة من القران الكريم أو نقل موضوع مما تطرَّق له كبار العلماء والمفكرين الإسلاميين، يجب أن لا يكون الأمر بأن يرتقي خطيب على المنبر ويتحدث بدون رؤية وبكلام غير هادف، أو يتطرق في النعي إلى مواضيع هشَّة من حيث الفحوى، ليس فقط لا تؤدي إلى تعزيز الايمان وتقويته، وإنما تؤدي إلى إضعافه. وإذا حدث مثل هذا الأمر فإننا سوف لا نبلغ الفوائد والأهداف المتوخاة من هذه المجالس.

وأقول لكم انه تشاهد  وللأسف  مثل هذه الأمور أحياناً حيث يتطرق الخطيب أحياناً إلى أمور ضعيفة من حيث الاستدلال والإسناد العقلي والنقلي، ويعتبر هداماً من حيث التأثير في ذهن المستمع الذي هو من أهل المنطق والاستدلال العقلي.

هناك بعض الأمور المدوَّنة في كتاب ما وليس لدينا دليل على صحَّة هذه الأمور أو سقمها، ولكن عندما تتطرقون إليها من على المنبر، فإنها وبالرغم من عدم ثبوت سقمها إنما تثير أسئلة وإشكاليات حول الدين لدى المستمع الذي قد يكون طالباً جامعياً أو تلميذاً أو شاباً أو مقاتلاً أو ثورياً ممن تفتحت أذهانهم وأفكارهم ببركة الثورة الاسلامية، وانه من الأفضل ألاَّ تتطرقوا إلى هذه الأمور والمواضيع حتى لو كانت صحيحة السند، ولكنها تؤدي إلى الضلال والانحراف، دع عنك إنها تفتقد في معظمها إلى السند الصحيح الموثق.

قد يكون هناك موضوع أو أمر سمعه شخص من شخص اخر بغض النظر عن صحة وسقم السند، أو استشفه من قصيدة وبادر الى نقل هذا الموضوع من كتاب وقع بأيدينا على سبيل الفرض، فنحن يجب أن لا نتطرق إلى هذا الموضوع الذي لا يمكن تسويفه أو تبريره إلى المستمع، وخاصة إذا كان ممن يتميز بالوعي والذكاء والبحث في دقائق الأمور، لأنه ليس واجباً أن نقول كلما نعلم أو ننقل ما دون في الكتب.

إن الجانب المهم من القضية الثقافية في مجتمعنا اليوم إنما ترتبط بالشباب، ولا أعني الطلبة الجامعيين وحدهم كما كان مصطلحاً قبل الثورة الإسلامية، وإنما أعني جميع الشباب من الرجال والنساء والطلبة وغيرهم الذين تفتحت أذهانهم إزاء مختلف القضايا، وأصبحوا ينظرون إليها بعين التبصر والتحقيق، فإنهم معرضون للشبهات ويريدون أن يفهموا الأمور ببصيرة.

إن القضية الثقافية في عهدنا هو إلقاء الشبهات من جانب الأعداء، إنهم يلقون الشبهات ولا يمكن أن نفرض على من لا يؤيدنا أو لا يقبل أفكارنا بأن يخرس ولا يتكلم. إنهم يفتعلون الشبهات ويروجونها ويثيرون الشكوك في النفوس، أنتم تقولون بضرورة التصدي للشبهات وعدم إشاعتها في حين أن البعض يرتقي المنبر دون التوجه إلى هذه المسؤولية الخطيرة، ويتفوَّه بكلام ليس فقط لا يحل أية مشكلة في ذهن المستمع، وإنما يزيد هذه المشاكل تعقيداً. فلو ارتقى أحدنا المنبر وتفوَّه بكلام أثار شكوكاً حول الدين في أذهان عشرة أو خمسة أو حتى واحد من الشباب دون أن نعرفه، فكيف يمكن التعويض عن هذه الخسارة وإزالة الشكوك؟ وهل يمكن أساساً التعويض عن ذلك؟ وهل يغفر لنا اللَّه ذلك؟

هذه هي الأمور الثلاثة التي يجب أن تتميز بها مجالس العزاء: تكريس المودَّة للحسين بن علي عليه السلام ولأهل بيت النبوَّة، وتعزيز العلاقة والارتباط العاطفي بهم، وإعطاء المستمع صورة واضحة عن واقعة عاشوراء، وتكريس المعرفة الدينية ووشائج الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى لدى المستمع. وإنه يكفي لو تحقق الحد الأدنى من ذلك.

فنحن لا نقول بأن جميع المنابر يجب أن تستوعب كل هذه الأمور، يكفي أن ينقل الخطيب حديثاً معتبر السند ويبادر إلى تفسيره ويبيّن معانيه للمستمع دون أية إضافات من التي لا داعي لها وتبعد المستمع عن المعنى الحقيقي للحديث، أو أن يبادر الخطيب إلى تفسير اية شريفة من المصادر المعتبرة بعد التدقيق والتأمل فيها حتى يتحقق الهدف المنشود، ولذكر المصاب تكفي الاستفادة من كتاب «نفس المهموم» للمرحوم المحدث القمي، فإنه يبكي المستمع ويثير تلك العواطف والمشاعر الجيَّاشة التي تتوخاها، ولا داعي للتعرض إلى أمور تبعد المجالس الحسينية عن الفلسفة الحقيقية لإقامتها، وأنني أخشى من أن لا نتمكن من القيام بواجبنا ومسؤولياتنا  لا سمح الله  وخاصة في هذا العصر الذي هو عصر إحياء الإسلام وتجليه وتجلي أفكار أهل بيت النبوة عليهم السلام.






 

الدرس الرابع والثلاثون : التطبير وتوهين الدين‏

هناك أمور تقرّب الناس إلى اللَّه وتعزز تمسّكهم لتعاليم الدين، ومن هذه الأمور هي مراسم العزاء التقليدية، وأن ما أوصانا به الإمام قدس سره بإقامة مراسم العزاء التقليدية هو المشاركة في المجالس الحسينية ونعي الإمام الحسين عليه السلام والبكاء عليه واللطم على الصدور في موكب العزاء، وهي من الأمور التي تعزز المشاعر الجياشة إزاء أهل البيت‏عليهم السلام.

غير أن هناك أموراً خلاف ذلك وتبعد البعض عن الدين حيث شوهدت  وللأسف  خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية أعمال تروّجها بعض الأيادي على ما يبدو، أنهم يروجون في مجتمعنا بعض الأعمال التي تثير علامات استفهام في أذهان المشاهدين. لقد جرت العادة في قديم الأيام وبين عوام الناس أن يعلّقوا أقفالاً بأجسامهم في مراسم العزاء، فانبرى لها كبار العلماء واندثرت هذه العادة، غير أنها ظهرت مجدداً في الاونة الأخيرة، وسمعت أن البعض يعلقون الأقفال بأجسامهم في مواكب العزاء، انه عمل خاطى‏ء يقوم به هذا البعض، وكذلك الأمر بالنسبة لشج الرؤوس بالسيوف أي ما يصطلح عليه ب)التطبير( الذي يعتبر عملاً مخالفاً هو الاخر.

أنا أعلم بأن البعض يقول بأن الحق كان مع الإمام الذي لم يتطرق إلى موضوع شج الرؤوس وما الذي دعاك إلى هذا الموضوع، كلا، ليس الأمر بهذا الشكل، فلو كان الإمام‏قدس سره حياً لتصدى لظاهرة شج الرؤوس بالسيوف على الصورة التي روجت خلال السنوات الأربع أو الخمس بعد انتهاء الحرب، انه عمل خاطى‏ء أن يشجّ البعض رؤوسهم بالسيوف، وما هو الحاصل من إراقة دمائهم بهذه الصورة؟ وكيف يمكن اعتبار هذا العمل من مراسم العزاء؟ أجل من مراسم العزاء اللطم على الرؤوس والصدور، ولكن ليس من العزاء أن يشجّ الإنسان رأسه بالسيف ويريق دمه حتى لو كانت المصيبة قد حلَّت بأعز أعزائه، إنها بدعة وليست من الدين، ولا شك في أن اللَّه لا يرضى على ذلك.

إن علماء السلف الذين لم يتصدوا لهذه القضية إنما كانت يدهم مغلولة في هذا المجال، أما اليوم فإنه عصر الحكومة الاسلامية وعصر تجلي الإسلام وينبغي أن لا نقوم بأعمال تشوّه سمعة المجتمع الاسلامي الذي يتميز بمودة أهل البيت عليهم السلام ويفخر بأنه يتبرَّك بالاسم القدسي لولي العصر  أرواحنا له الفداء  وباسم الإمام الحسين عليه السلام واسم أمير المؤمنين عليه السلام.

كيف؟ ينبغي أن لا نقوم بأعمال تصور أبناء هذا المجتمع بأنهم أناس خرافيون وغير منطقيين أمام المسلمين وغير المسلمين في العالم، وفي الحقيقة أنني كلما وجدت بأنه لا بد أن أحذّر أبناء شعبنا العزيز من هذه الظاهرة التي هي في الواقع بدعة وخلاف لتعاليم الدين ليكفّوا عن هذا العمل. فأنا لست راضياً عمَّن يتظاهرون بشجّ الرؤوس، وأعرب هنا أنه كان في زمن ما يجتمع عدد من الناس في مكان محدود وليس أمام الاخرين ويشجون رؤوسهم دون أن يتظاهروا بهذا المعنى، ولا شأن لأحد بهم سواء صح هذا العمل أو لم يصح، فإنه كان محدوداً وليس تظاهراً أمام الاخرين، أما أن ينطلق عدة الاف من الأشخاص فجأة في أحد شوارع مدينة قم أو طهران أو إحدى مدن خراسان وأذربيجان وهم يحملون السيوف ليشجّوا بها رؤوسهم، فإن هذا العمل يعتبر خلافاً بلا ريب ولا يرضى عنه الإمام الحسين عليه السلام، ولا أدري من أين نشأت هذه الأعمال التي جاؤوا بها الى مجتمعاتنا الاسلامية.

وهناك بدعة غريبة ابتدعوها مؤخراً في كيفية الزيارات. أنتم تعلمون أن جميع أئمة الهدى عليهم السلام كانوا يزورون المرقد الطاهر للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم والمراقد المطهَّرة لأئمة أهل البيت عليهم السلام في المدينة المنورة والعراق وإيران، ولكن هل سمعتم أن أحداً من الأئمة أو من العلماء كان يزحف على صدره من باب الحرم إلى الضريح أثناء الزيارة، فلو كان هذا العمل مستحباً أو مستحسناً لقام به علماؤنا الكبار، إلاَّ أنهم لم يقوموا بمثل هذه الأعمال، وحتى انه نقل بأن المرحوم اية اللَّه العظمى البروجردي )رضوان اللَّه عليه( ذلك العالم الورع والمجتهد البارز وذو الأفكار النيّرة منع حتى تقبيل العتبة لدى دخول الحرم المطهَّر لأي من الأئمة عليهم السلام.

ورغم أن هذا العمل قد يكون من المستحبات كما جاء في كتب الأدعية، وأتذكر أن هناك رواية باستحباب تقبيل العتبة، ولعلّ‏َ المرحوم البروجردي إنما منع ذلك حتى لا يُتصوَّر أنه نوع من السجود يتبجح به الأعداء لتوجيه الاتهامات إلى الشيعة.

ليس صحيحاً أن يدخل فجأة عدد من الناس الى الحرم المطهَّر للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ويزحفون على صدورهم مسافة مائتي متر نحو المرقد، كلا، إنه عمل خاطى‏ء، انه استهانة بالدين وبحرمة الزيارة، من يروّج هذه الأمور بين الناس، ليكفّوا عن ذلك، إنه من عمل الأعداء.

عليكم أن تبيّنوا هذه الحقائق للناس حتى تتفتح أذهانهم. الإسلام دين منطقي، والفهم الشيعي للإسلام هو الأكثر منطقية من غيره. ولا أحد يتمكن من أن يتهم الشيعة بضعف منطقهم؛ لأن علماء الكلام من الشيعة كانوا كالشموس الساطعة في عهدهم، سواء الذين عاصروا حياة الأئمة كمؤمن الطاق وهشام بن الحكم وسواء الذين جاؤوا بعد الأئمة كبني نوبخت والشيخ المفيد وغيرهما والمتأخرين من علماء الكلام لدى الشيعة وكالمرحوم العلامة الحلي وغيرهم.

فنحن الشيعة أهل المنطق وأهل الاستدلال المنطقي وان الكتب الخاصة بالشيعة مفعمة بالاستدلالات المنطقية القوية ككتب المرحوم شرف الدين وكتاب الغدير للمرحوم العلامة الأميني في عصرنا الحاضر التي تستند إلى أدلة أقوى من الأسمنت المسلَّح.

هذا هو التشيع وليس تلك الأعمال التي لا تستند إلى أي دليل وهي أشبه بشي‏ء من الخرافات، فلماذا يروّجون هذه الأعمال؟ إنه من الأخطار الكبرى التي يجب على علماء الدين وحماة العقيدة أن ينتبهوا إليها.